حب الوطن بين الحقيقة والادعاء  «^»  أسئلة كتاب البيع  «^»  الثورة الخمينة .. النشأة والأهداف   «^»  وصية في رمن الفتن  «^»  المدارس الفقهية  «^»  موضوعات الفقه الإسلامي، وأقسامه  «^»  باب صلاة الاستسقاء  «^»  أسئلة باب الكسوف  «^»  اسئلة كتاب الحج  «^»  أسئلة على كتاب الزكاة كاملاً جديد المقالات

المقالات
مقالات
الخطب
القلوب


الحمد لله الذي بنعمته اهتدى المهتدون، وبعدله ضل الضالون، أحمده حمد عبد نزه ربه عما يقول الظالمون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، سبحانه رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون {لا يسئل عما يفعل وهم يُسألون} وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله الصادق المأمون، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين هم بهديه متمسكون.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ، أوصِيكُم وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِِ عَزَّ وَجَلَّ؛ اتَّقُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الإِسْلاَمِ بالعُرْوَةِ الوُثْقَى، حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ، وَزِنُوا أَعْمَالَكُم، وتَزَيَّنُوا للعَرْضِ الأَكْبَرِ عَلَى اللهِ، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُم خَافِيَةٌ [الحاقة:18]، العَاقِلُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، والعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وتَمَنَّى عَلَى اللهِ الأَمَانِيَّ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر: 18].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، القَلْبُ أَشْرَفُ أَعْضَاءِ الإِنْسَانِ، جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى وِعَاءً للخَيرِ وَالرَّشَادِ، ذَاكِرًا للهِ عَامِلاً لَهُ، سَاعِيًا إِلَيهِ، قَائِدًا للجَوَارِحِ وَالأَرْكَانِ، أَوْ وعَاءً للشَّرِّ وَالفَسَادِ، غَافِلاً عَنِ اللهِ، عَامِلاً للشَّيطَانِ، سَاعِيًا إِِلَيهِ؛ وَلِذَا كَانَ مِنْ أَكْثَرِ دُعَاءِ النبيِّ : ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)) رواه الترمذيُّ وحسَّنه وأحمدُ.
إنه قلبك يا عبد الله، محطّ نظر الإله ومنبع العمل ومحركه وأصله وأساسه المخاطب بأوامر الله جل وعلا، قال : ((إن الله لا ينظر إلى أعمالكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم)). فما حال قلبي وقلبك في أعز وأشرف زمان في رمضان؟!
عباد الله ـ هذه وقفة محاسبة مع النفس، بل مع أعز شيء في النفس، مع ما بصلاحه صلاح العبد كله، وما بفساده فساد الحال كله. وقفةٌ مع ما هو أولى بالمحاسبة وأحرى بالوقفات الصادقة، يقول : ((ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وخُصّ القلب بذلك لأنه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد، وفيه تنبيه على تعظيم قدر القلب والحث على صلاحه والإشارة إلى أن لطيب الكسب أثرًا فيه والمراد المتعلق به من الفهم الذي رُكب فيه". ويقول عليه الصلاة والسلام: ((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه)). ويقول الحسن رحمه الله: "داوِ قلبك؛ فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم، ولن تحب الله حتى تحب طاعته".
عباد الله، من عرف قلبه عرف ربَّه، وكم من جاهل بقلبه ونفسه والله يحول بين المرء وقلبه، يقول ابن مسعود : (هلك من لم يكن له قلبٌ يعرف المعروف وينكر المنكر). إذًا لا بد في هذا من محاسبةٍ تَفُضُّ تغاليق الغفلة وتوقظ مشاعر الإقبال على الله في القلب واللسان والجوارح جميعًا. من لم يظفر بذلك فحياته كلها ـ والله ـ هموم في هموم وأفكارٌ وغموم وآلامٌ وحسرات.
أيها الأخ الصائم، وأيتها الأخت الصائمة، إن في القلب فاقةً وحاجةً لا يسدها إلا الإقبال على الله ومحبته والإنابة إليه، ولا يلمّ شعثها إلا حفظ الجوارح واجتناب المحرمات واتقاء الشبهات. وإن معرفة القلب من أعظم مطلوبات الدين ومن أظهر المعالم في طريق الصالحين؛ معرفة تستوجب اليقظة لخلجات القلب وخفقاته وحركاته ولفتاته، والحذر من كل هاجس، والاحتياط من المزالق والهواجس، والتعلق الدائم بالله فهو مقلب القلوب والأبصار، جاء في الخبر عند مسلم رحمه الله من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: ((إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل كقلب واحد يصرفه حيث يشاء))، ثم قال رسول الله : ((اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك)).
ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم: يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88، 89]. يقول الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم: "والقلب السليم هو السالم من الآفات والمكروهات"، وقال ابن القيم رحمه الله: "وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم، والأمر الجامع لذلك أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله، فسلم من محبة غير الله معه ومن خوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والذل له وإيثار مرضاته في كل حال والتباعد عن سخطه بكل طريق، وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله سبحانه وتعالى وحده". فالقلب السليم هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما.
الحمد لله ..
عباد الله ..
والقلوب ـ أيها المحب ـ أربعة:
1- قلب تقي نقي فيه سراج منير، قلب محشو بالإيمان ومليء بالنور الإيماني، وقد انقشعت عنه حجب الهوى والشهوات وأقلعت عنه تلك الظلمات، مليء بالإشراق ولو اقترب منه الشيطان لحرقه، وهذا هو قلب المؤمن.
2- وقلب أغلف مظلم؛ وذلك قلب الكافر، وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ [البقرة:88]. وهذا القلب قد استراح الشيطان من إلقاء الوساوس فيه، ولهذا قيل لابن عباس رضي الله عنهما: إن اليهود تزعم أنها لا توسوس في صلاتها، فقال: وما يصنع الشيطان بالقلب الخرب؟!
3- قلب دخله نور الإيمان وألقى النور فيه، ولكن عليه ظلمة الشهوات وعواصف من الهوى، وللشيطان عليه إقبال وأدبار، وبينه وبين الشيطان سجال، فهو لِما غلب عليه منهما، وقد قال الله في أقوام: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَانِ [آل عمران:167].
4- وقلب مرتكس منكوس فذلك قلب المنافق، عرف ثم أنكر وأبصر ثم عمي، فَمَا لَكُمْ في المنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أركسهم بِمَا كَسَبُواْ [النساء:88].
وفي القلب قوتان: قوة العلم في إدراك الحق ومعرفته والتمييز بينه وبين الباطل، وقوة الإرادة والمحبة في طلب الحق ومحبته وإيثاره على الباطل. فمن لم يعرف الحق فهو ضال، ومن عرفه وآثر غيره عليه فهو مغضوب عليه، ومن عرفه واتبعه فهو المنعم عليه السالك صراط ربه المستقيم. يقول ابن القيم رحمه الله: "وهذا موضع لا يفهمه إلا الألبّاء من الناس والعقلاء، ولا يعمل بمقتضاه إلا أهل الهمم العالية والنفوس الأبية الزكية".
أصحاب القلوب الحية صائمون قائمون خاشعون قانتون، شاكرون على النعماء صابرون في البأساء، لا تنبعث جوارحهم إلا بموافقة ما في قلوبهم، تجردوا من الأثرة والغش والهوى، اجتمع لهم حسن المعرفة مع صدق الأدب، وسخاء النفس مع رجاحة العقل، هم البريئة أيديهم، الطاهرة صدورهم، متحابون بجلال الله، يغضبون لحرمات الله، أمناء إذا ائتمنوا، عادلون إذا حكموا، منجزون ما وعدوا، موفون إذا عاهدوا، جادون إذا عزموا، يهشون لمصالح الخلق ويضيقون بآلامهم، في سلامة من الغل وحسن ظن بالخلق وحمل الناس على أحسن المحامل، كسروا حظوظ النفس وقطعوا الأطماع في أهل الدنيا، جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله قال: ((يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير))، فهي سليمة نقية خالية من الذنب سالمة من العيب، يحرصون على النصح والإخلاص والمتابعة والإحسان، همتهم في تصحيح العمل أكبر منها في كثرة العمل، لِيَبْلُوَكُمْ أيكم أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2]. أوقفهم القرآن فوقفوا، واستبانت لهم السنة فالتزموا، يُؤْتُونَ مَا أتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهِمْ راجِعُونَ [المؤمنون:60]. رجال مؤمنون ونساء مؤمنات بواطنهم كظواهرهم بل أجلى، وسرائرهم كعلانيتهم بل أحلى، وهمتهم عند الثريا بل أعلى، إن عُرفوا تنكَّروا، تحبهم بقاع الأرض وتفرح بهم ملائكة السماء، هذه حياة القلوب وهذه بعض آثارها.
أما القلوب المريضة فلا تتأثر بمواعظ ولا تستفزها النذر ولا توقظها العبر. أين الحياة في قلوب عرفت الله ولم تؤد حقه، قرأت كتاب الله ولم تعمل به، زعمت حب رسول الله وتركت سنته؟! يريدون الجنة ولم يعملوا لها، ويخافون من النار ولم يتقوها. رُب امرئ من هؤلاء أطلق بصره في حرام فحُرم البصيرة، ورب مطلق لسانه في غيبة فحرم نور القلب، ورب طاعم من الحرام أظلم فؤاده. لماذا يُحرم محرومون قيام الليل؟! ولماذا لا يجدون لذة المناجاة؟! إنهم باردو الأنفاس غليظو القلوب ظاهرو الجفوة، القلب الميت الهوى إمامه والشهوة قائدة والغفلة مركبه، لا يستجيب لناصح، ويتَّبع كل شيطان مريد، الدنيا تُسخطه وترضيه، والهوى يصمه ويعميه، ماتت قلوبهم ثم قبرت في أجسادهم، فما أبدانهم إلا قبور قلوبهم، قلوب خربة لا تؤلمها جراحات المعاصي، ولا يوجعها جهل الحق،ّ لا تزال تتشرب كل فتنة حتى تسود وتنتكس، ومن ثم لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا.
يا أيها الصائم، وأيتها الصائمة، إن غفلة القلوب عقوبة، والمعصية بعد المعصية عقوبة، والغافل لا يحس بالعقوبات المتتالية، ولكن ما الحيلة؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله. يقول بعض الصالحين: "يا عجبًا من الناس يبكون على من مات جسده ولا يبكون على من مات قلبه ". شتان بين من طغى وآثر الحياة الدنيا وبين من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، تمرض القلوب وتموت إذا انحرفت عن الحق وقارفت الحرام، فَلَمَّا أزاغوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5]، تمرض القلوب وتموت إذا افتتنت بآلات اللهو وخليع الصور، نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُم [التوبة:67]. كل الذنوب تميت القلوب وتورث الذلة وضيق الصدر ومحاربة الله ورسوله. يقول الحسن رحمه الله: "ابن آدم، هل لك بمحاربة الله من طاقة؟! فإن من عصى الله فقد حاربه، وكلما كان الذنب أقبح كان في محاربة الله أشد، ولهذا سمى الله أكلة الربا وقطاع الطريق محاربين لله ورسوله لعظم ظلمهم وسعيهم بالفساد في أرض الله"، قال: "وكذلك معاداة أوليائه فإنه تعالى يتولى نصرة أوليائه ويحبهم ويؤيدهم، فمن عاداهم فقد عادى الله وحاربه".

نشر بتاريخ 16-11-2014  


أضف تقييمك

التقييم: 3.19/10 (2255 صوت)


 


Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
تصميم مصمم مواقع عبدالله Copyright © 2008 www.mettleofmuslem.net - All rights reserved


المقالات | مواضيع مهمة | الصوتيات | المنتديات | الرئيسية