أسئلة كتاب البيع  «^»  الثورة الخمينة .. النشأة والأهداف   «^»  وصية في رمن الفتن  «^»  المدارس الفقهية  «^»  موضوعات الفقه الإسلامي، وأقسامه  «^»  باب صلاة الاستسقاء  «^»  أسئلة باب الكسوف  «^»  اسئلة كتاب الحج  «^»  أسئلة على كتاب الزكاة كاملاً  «^»  أسئلة على باب صلاة التطوع وأوقات النهي جديد المقالات

المقالات
مقالات
الخطب
بر الوالدين


أما بعد: حديثنا اليوم حديث حنان وذِكرى، حديث شوق وعِبْرة، حديث حُبّ واشتياق، إنه حديث عن أغلى وأعزّ وأكرم إنسانين لك يا أخي الحبيب، إنهما والداك.
إننا في زمن5ِ قد عظمت غُربته واشتدّت كُربته، فلم يرحم الأبناء دموع الآباء، ولم يرحم البنات شفقة الأمهات، في هذا الزمان الذي قلّ فيه البِرّ وازداد فيه العقوق والشرّ، كم نحن بحاجة إلى من يذكّرنا فيه بحقّ الوالدين وعظيم الأجر لمن برّهما؛ لذا كانت هذه الكلمات.
فللَّه كم دمعة ذرفها والد أو والدة على ما يلاقيان من الجحود والاستكبار من أولادهما، كم زفرة حَرّى انطلقت من أب مَكْلُوم أو أمّ رَؤُوم، يشتكيان الهجر والقطيعة ومن أقرب الناس إليهما. ويا لله، كم من أب وأم تمنى أن لم يُرزق بأولاد شَقِي معهم أول عمره، وها هو يشقى بهم في آخره، كم حسرة دُفِنت مع والد في قبره، وكم غُصّة ضاق بها جوف أمّ لم تحتمل ما ترى،
عباد الله، لقد أكثر الله من ذكر شأن الوالدين، وأوجب الإحسانَ إليهما لفضلهما وعظيم معروفهما، قال الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [البقرة:215]، وقال سبحانه: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14]، وقال تعالى: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا [الأحقاف:15].
أيها المؤمنون، لما كان بِرّ الوالدين من القُرُبات العظيمة تَسَابق إليها الأتقياء من عباد الله من الأنبياء والرسل وأتباعهم، فبِرّ الوالدين منهج الأنبياء والمرسلين وعمل الكرام والصالحين، فهذا نوح عليه السلام يخص والديه بالدعاء بالمغفرة بقوله: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [نوح:28]، وكذا حال عيسى ابن مريم عليه السلام حين قال عنه الله عز وجل: وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا [مريم:32]، وكذا يحيى عليه السلام قال الله عز وجل عنه: وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا [مريم:14].
إن عقوق الوالدين، ياعباد الله من أكبر الكبائر بعد الإشراك بالله، وكيف لا يكون كذلك وقد قرن الله برّهما بالتوحيد فقال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، وقال تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الأنعام:151]. ((إذا ظهر في أمّة محمّد أربع عشرة خصلة فانتظروا ريحًا حمراء وزلزلة وخسفًا ومسخًا وقذفًا وآيات تتتابع كنظام قُطِع سِلكه))، ومن هذه الخصال: ((إذا أطاع الرجل زوجته وعقّ أمه وأدنى صديقه وأبعد أباه))، فلا إله إلا الله ما أكثر هذا في هذا العصر.
احذر ـ يا عبد الله ـ عقوبة الله نتيجة لعقوقك، قال النبي : ((كل الذنوب يؤخر الله تعالى ما شاء منها إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين، فإن الله يُعجّله لصاحبه في الحياة قبل الممات))، وقال النبي : ((رغم أنفهن رغم أنفه، رغم أنفه))، قيل: من يا رسول الله؟ قال: ((من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة))، قال مجاهد رحمه الله: "لا ينبغي للولد أن يدفع يد والده إذا ضربه"، وسئل كعب الأحبار عن العقوق فقال: "إذا أمرك والداك بشيء فلم تطعهما فقد عققتهما العقوق كله".
اعلم ـ أيّها العاقّ ـ أنك مجزيّ بعملك في الدنيا والآخرة، يقول العلماء: كل معصية تؤخَّر عقوبتُها بمشيئة الله إلى يوم القيامة إلا العقوق، فإنه يُعجّل له في الدنيا، وكما تدين تُدان، والجزاء من جنس العمل.
فيا معاشر الأحبة، اعلموا أن بِرّ الوالدين من خير ما تقرّب به المتقرّبون وتسابق فيه المتسابقون، وهو من أحب الأعمال إلى الله وأفضلها بعد الصلاة، سئل النبي : أي العمل أحب إلى الله؟ وفي رواية: أي العمل أفضل؟ قال: ((الصلاة على وقتها))، قيل: ثم أي؟ قال: ((بِرّ الوالدين))، قيل: ثم أي؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله)) رواه البخاري ومسلم. فبر الوالدين مُقدّم حتى على الجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة سنام الإسلام، مما يدل على عظيم حقّهما، ولهذا جاء رجل إلى النبي يستأذنه في الجهاد فقال: ((أحيٌّ والداك؟)) قال: نعم، قال: ((ففيهما فجاهد)). وفي رواية لمسلم: أقبل رجل إلى النبي فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد؛ أبتغي الأجر من الله عز وجل، قال: ((فهل من والديك أحد حيّ؟)) قال: نعم، بل كلاهما، قال: ((فتبتغي الأجر من الله عز وجل؟)) قال: نعم، قال: ((فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما)).
فبِرّ الوالدين من أعظم القُرُبات وأجل الطاعات، ببرّهما تتنزّل الرحمات وتُكشف الكُربات، برّ الوالدين مفتاح كل خير ومِغْلاق كل شرّ، بِرّ الوالدين من أعظم أسباب دخول الجنان والنجاة من النيران، بِرّ الوالدين سبب في بسط الرزق وطول العمر، بِرّ الوالدين سبب في دفع المصائب وسبب في إجابة الدعاء، فأين أنت من هذه النفحات يا عبد الله؟!
وهل أتاك نبأ أويس بن عامر القرني؟! ذاك رجل أنبأ النبي بظهوره، وكَشَفَ عن سَنَاء منزلته عند الله ورسوله، وأمر البَرَرَة الأخيار من آله وصحابته بالتماس دعوته وابتغاء القُربى إلى الله بها، وما كانت آيته إلا بِرّه بأمّه، وذلك الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه: كان عمر إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس بن عامر فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مُراد؟ قال: نعم، قال: كان بك بَرَص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: لك والدة؟ قال: نعم، قال: سمعت رسول الله يقول: ((يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مُراد ثم من قَرن، كان به أثر برَص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدةٌ هو بارٌّ بها، لو أقسم على الله لأبرّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل))، فاستغْفِرْ لي، فاستغَفَرَ له، فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟! قال: أكون في غَبْرَاء الناس أحبّ إليّ. وعن أصبغ بن زيد قال: إنما منع أويسًا أن يَقدم على النبي برّه بأمه.
فانظر ـ يا رعاك الله ـ المنزلة التي بلغها هذا البارّ بأمّه حتى كان من شأنه أن يُخبِر عنه المصطفى ، وأن يقول لعمر: ((إن استطعت أن يستغفر لك فافعل)).
ولما علم سلفنا الصالح بعظم حق الوالدين قاموا به حق قيام، فهذا محمد بن سيرين إذا كلم أمه كأنه يتضرع، وقال ابن عوف: دخل رجل على محمد بن سيرين وهو عند أمه فقال: ما شأن محمد؟! أيشتكي شيئًا؟! قالوا: لا، ولكن هكذا يكون إذا كان عند أمه. وهذا أبو الحسن علي بن الحسين زين العابدين رضي الله عنهم كان من سادات التابعين، وكان كثير البرّ بأمّه حتى قيل له: إنك من أبرّ الناس بأمك، ولسنا نراك تأكل معها في صَحْفَةٍ!! فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها، فأكون قد عققتها. وهذا حَيوة بن شُريح، وهو أحد أئمة المسلمين والعلماء المشهورين، يقعد في حلقته يعلم الناس، ويأتيه الطلاب من كلّ مكان ليسمعوا عنه، فتقول له أمه وهو بين طلابه: قم يا حَيوة، فاعلف الدجاج، فيقوم ويترك التعليم.
وكان الفضل بن يحيى بارًّا بأبيه، وكان أبوه لا يتوضأ إلا بماء ساخن، فقُدِّر أن سُجِنا سويًّا، فمنعه السجان من إدخال الحطب إلى السجن ليسخّن الماء لأبيه إذا قام لصلاة الفجر، فلما أخذ الأب مضجعه من النوم قام الفضل إلى إناء من النحاس مملوء بماء فأدناه من المصباح، وبقي واقفًا حتى استيقظ والده فتوضأ بالماء الساخن، ثم إن السجان منعه من تسخين الماء بالمصباح فأطفأ المصباح، فعمد الفضل إلى الإناء فأخذه في فراشه، وألصقه بأحشائه متحمّلاً برودة الماء حتى أصبح وقد فَتُر الماء. وهذا الإمام أبو حنيفة رحمه الله في بِرّه بأمه حيث كانت تأمره أن يذهب بها إلى حلقة عمر بن ذر حتى تسأله عما أشكل عليها، مع أن ابنها فقيه زمانه، وكان يذهب بها رحمه الله.
وكان منصور بن المعتمر يفلي رأس أمه. وقال محمد بن المنكدر: بات أخي عمر يصلي، وبِتُّ أغمز رجلَ أمي، وما أحبّ أن ليلتي بليلَته. وأمّا الإمام ابن عساكر محدّث الشام فقد سئل عن سبب تأخر حضوره إلى بلاد أصبهان فقال: لم تأذن لي أمي. وهذا محمد بن بشار المشهور بِبُنْدَار الإمام الحافظ راوية الإسلام جمع حديث البصرة كان يقول: "أردت الخروج ـ يعني: الرحلة لطلب العلم ـ فمنعتني أمي، فأطعتها فبورك لي فيه".
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ..
الخطبة الثانية:
أوصيكم جميعًا ونفسي أولاً ببِرّ الوالدين، وأن نسعى لإرضائهما وإسعادهما في هذه الدنيا، أسألك بالله يا أخي: ماذا يريد منك أبوك إلاّ أن تقف معه حين يحتاجك؟! وماذا تريد منك الأم إلا كلمة حانية وعبارة صافية تحمل في طياتها الحب والإجلال؟!
ادفع عنهما الأذى فقد كانا يدفعان عنك الأذى، لا تحدثهما بغلظة أو خشونة أو رفع صوت، جنبهما كل ما يورث الضجَر، فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا [الإسراء:23]، قال الحسين بن علي رضي الله عنهما: (لو علم الله شيئًا من العقوق أدنى من الأفّ لحرّمه). تخَيّر الكلمات اللطيفة والعبارات الجميلة والقول الكريم، تواضع لهما، واخفض لهما جناح الذل رحمة وعطفًا وطاعة وحسن أدب. لقد أقبلا على الشيخوخة والكبر، وتقدما نحو العجز والهرم، بعد أن صرفا طاقتهما وصحتهما وأموالهما في تربيتك وإصلاحك. تأمّل ـ يا رعاك الله ـ قول ربك: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ [الإسراء:23]، إن كلمة عِندَكَ تدل على معنى التجائهما واحتمائهما وحاجتهما، فلقد أنهيا مهمتهما، وانقضى دورهما، وابتدأ دورك، وها هي مهمتك، فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا [الإسراء:23].
عباد الله، إن لعقوق الوالدين صورًا كثيرة، من ذلك إظهار العُبُوس عند مقابلتهما، ومن صور العقوق أيضًا رفع الصوت عليهما، أو مقاطعة كلامهما بزجرهما وفرض الرأي عليهما، وهذه الطباع مما يذمها العقلاء مع الناس، فكيف إذا كان ذلك مع الوالدين؟! ومن الصور النظر إلى الوالدين شَزرًا، وذلك بإحداد النظر إليهما، وكأنه ينظر إلى أحد أبنائه لزجره، قال مجاهد رحمه الله: "ما برّ والديه من أحدّ النظر إليهما"، ومن الصور التأخّر في قضاء حاجاتهما، والتسويف بها إلى أن يسأم الوالدان من سؤاله بعد ذلك، ومن الصور القيام بحقّ الزوجة والاعتناء به في مقابل عدم الاعتناء بحق الوالدين وعدم الاكتراث له، بل وتضييعه.
نعم، إن حقهما عظيم، ولكن الجأ إلى الله بالدعاء لهما في حال الحياة وبعد الممات اعترافًا بالتقصير، وأملاً فيما عند الله، رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا [الإسراء:24]، ولن يستطيع الأبناء والبنات مجازاة الآباء والأمهات إلا أن يجد الولدُ الوالدَ مملوكًا فيشتريه فيعتقه، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((لا يجزي ولدٌ والدَه إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه)).
رأى ابن عمر رضي الله عنهما رجلاً قد حمل أمه على رقبته وهو يطوف بها حول الكعبة، وقد أتى بها من بلاده، فقال: يا ابن عمر، أتُراني جازيتها؟ قال: (ولا بطلقةٍ واحدةٍ من طلقاتها، ولكن أحسنت، والله يثيبك على القليل كثيرًا). الله أكبر! ما أعظم الحق، وما أشد تقصير الخلق.
ولما ماتت أم إياس القاضي المشهور بكى عليها، فقيل له في ذلك فقال: "كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة، فغلِّق أحدُهما". وكان هناك رجل من المتعبدين يُقَبّل كل يوم قدم أمه، فأبطأ يومًا على أصحابه فسألوه، فقال: "كنت أتمرغ في رياض الجنة، فقد بلغنا أن الجنة تحت أقدام الأمهات".

نشر بتاريخ 16-11-2014  


أضف تقييمك

التقييم: 5.96/10 (2104 صوت)


 


Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
تصميم مصمم مواقع عبدالله Copyright © 2008 www.mettleofmuslem.net - All rights reserved


المقالات | مواضيع مهمة | الصوتيات | المنتديات | الرئيسية