أسئلة كتاب البيع  «^»  الثورة الخمينة .. النشأة والأهداف   «^»  وصية في رمن الفتن  «^»  المدارس الفقهية  «^»  موضوعات الفقه الإسلامي، وأقسامه  «^»  باب صلاة الاستسقاء  «^»  أسئلة باب الكسوف  «^»  اسئلة كتاب الحج  «^»  أسئلة على كتاب الزكاة كاملاً  «^»  أسئلة على باب صلاة التطوع وأوقات النهي جديد المقالات

المقالات
مقالات
الخطب
محنة الامام احمد

د.عبدالله المعيدي

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن سنة الله جارية على خلقه في هذه الحياة الدنيا، يجمع للناس بين الخير والشر ابتلاء منه وامتحانًا، وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35]، فلا يخلو المرء من كوارث تصيبه ونوازل تحل بساحته في نفسه أو ولده وأهله.
ويعظم البلاء ويشتد في حياة الدعاة والمصلحين الذين يدعون إلى الله، ويعملون على تحكيم شريعته، ويجاهدون لإعلاء كلمته، فينقم عليهم أهل الأهواء ويعاديهم أنصار الباطل ويحاربهم المستبدون، وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ [البروج:8].
وهو تمحيص وتطهير للمؤمنين، وَلِيُمَحّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ [آل عمران:141، 142]، ويقول تعالى: وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ [آل عمران:154]، بسم الله الرحمن الرحيم: آلـم أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ [العنكبوت:1-3].
ولقد سئل المصطفى : أيّ الناس أشد بلاء؟ فقال: ((الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلاه الله حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة)) رواه الإمام أحمد والترمذي قال: "حسن صحيح".
إخوة الإيمان، إن الصفحة المشرقة التي هي موضوعنا من حياة هذا الإمام الجهبذ هي محنته التي تعرض لها، وهي القول بخلق القرآن، التي دعا إليها المأمون وقتل وسفك الدماء لأجلها، ووقف لها الإمام أحمد كالطود الشامخ، قال علي بن المديني: "إن الله أعز هذا الدين بأبي بكر الصديق يوم الردة وبأحمد يوم المحنة".
وكان أحمد عالمًا بما ورد بمثل حاله من الآيات المتلوة والأخبار المأثورة، وبلغه بما أوصي به في المنام واليقظة، فرضي وسلم إيمانًا واحتسابًا، وفاز بخير الدنيا ونعيم الآخرة إن شاء الله، وهيأه الله بما آتاه من ذلك لبلوغ أعلى منازل أهل البلاء في الله من أوليائه.
فعُرض القول بخلق على القرآن على أحمد فامتنع، وحُمل هو ومحمد بن نوح على بعير، وسيرا إلى الخليفة لأمره بذلك وهما مقيّدان، وفي عرض الطريق جاورهما رجل من الأعراب، فسلم على الإمام أحمد وقال له: يا هذا، إنك وافد الناس، فلا تكن شؤمًا عليهم، وإنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحبّ الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل، وإنك إن لم تقتل تمت، وإن عشت عشت حميدًا، قال أحمد: وكان كلامه مما قوّى عزمي.
وبلغهم موت المأمون، فتولى بعده المعتصم فاشتدّ الأمر، قال: فردونا إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسرى ونالني منهم أذى كثير، وكان في رجليه القيود، ومات صاحبه محمد بن نوح في الطريق، فصلى عليه وأودع بعد ذلك السجن نحوًا من ثمانية وعشرين شهرًا، وكان أحمد وهو في السجن هو الذي يصلي في أهل السجن والقيود في رجليه، ثم أخرج إلى الضرب بين يدي المعتصم بعد أن زيد في قيوده، قال أحمد: فلم أستطع أن أمشي بها، فبرطتها في التكة وحملتها بيدي، ثم جاؤوني بدابة فحملت عليها، فكدت أن أسقط على وجهي من ثقل القيود، وليس معي أحد يمسكني، فسلم الله حتى جئنا دار المعتصم، فأدخلت في بيت وأغلق علي، وليس عندي سراج، فأردت الوضوء، فمددت يدي فإذا إناء فيه ماء، فتوضأت منه ثم قمت ولا أعرف القبلة، فلما أصبحت إذا أنا على القبلة ولله الحمد، ثم دعيت فأدخِلت على المعتصم، وبعد انتهاء المناظرة التي دارت بينه وبين خصومه بحضرة المعتصم في موضوع خلق القرآن قال: ثم لم يزالوا يقولون له: يا أمير المؤمنين إنه ضال مضلّ كافر، فأمر بي فقمت بين العقابين، وجيء بكرسيّ فأقمت عليه وأمرني بعضهم أن آخذ بيدي بأيّ الخشبتين فلم أفهم، فتخلعت يداي، وجيء بالضرابين ومعهم السياط، فجعل أحدهم يضربني سوطين، ويقول له ـ يعني المعتصم ـ: شدّ قطَع الله يدك، ويجيء بالآخر فيضربني سوطين، ثم الآخر كذلك فضربوني أسواطًا، فأغمي علي وذهب عقلي مرارًا، فإذا سكن الضرب يعود علي عقلي، وقام المعتصم إلي يدعوني إلى قولهم فلم أجبه، وجعلوا يقولون: ويحك الخليفة على رأسك فلم أقبل، فأعادوا الضرب ثم عاد إلي فلم أجبه، فأعادوا الضرب، ثم جاء الثالثة فدعاني فلم أعقل ما قال من شدة الضرب، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي، فلم أحس بالضرب، وأرعبه ذلك من أمري وأمر بي فأطلقت من رجلي. ثم أمر الخليفة بإطلاقه إلى أهله، وكان جميع ما ضرب نيفًا وثلاثين سوطًا، وقيل: ثمانين سوطًا، ولكن كان ضربًا مبرحًا شديدًا جدًا.
ضاقت فلما استحكمت حلقـاتهـا فرجت وكنت أظنها لا تفرج
ولما رجع إلى منزله جاء الجراحي فقطع لحمًا ميتًا من جسده، وجعل يداويه، ولما شفاه الله بالعافية بقي مدة وإبهاماه يؤذيهما البرد، وجعل كل من آذاه في حل إلا أهل البدعة، وكان يتلو في ذلك قوله تعالى: وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ [النور:22]، ويقول: ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك؟! وقد قال تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ [الشورى:40]، وينادي المنادي يوم القيامة: ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، ومن تواضع لله رفعه الله)).
عباد الله، هؤلاء هم نجوم الأمة بعد محمد وأصحابه، إن سيرة واحدة منهم لعبرة وموقف، واحد منهم خير من كثير منّا، ولا أقول لنفسي ولكم إلا ما قاله الشاعر:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح
سلام عليك يا إمام، وغفر الله لك وأجزل لك المثوبة وجزاك عن أمة الإسلام خير الجزاء.
مجالسهم تفيد الحكمة، وبأعمالهم ينزجر أهل الغفلة، هم أفضل من العُبَّاد وأعلى درجة من الزهاد، حياتهم غنيمة وموتهم مصيبة، يذكرون الغافل ويعلمون الجاهل، لا يتوقع لهم بائقة ولا يخاف منهم غائلة، الطاعة لهم من جميع الخلق واجبة، والمعصية لهم محرمة، من أطاعهم رشد ومن عصاهم غوى.
هم سراج العباد ومنار البلاد، وقوام الأمة وينابيع الحكمة، هم غيظ الشيطان، مثلهم في الأرض كمثل النجوم في السماء، يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، إذا انطمست النجوم تحيروا، وإذا أسفر عنها الظلام أبصروا.
أسأل الله العلي العظيم الكريم من فضله أن يعظم أجره ويكثر مثله وينفعنا بعلمه ويحشرنا في زمرته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً [الأحزاب:56].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...


نشر بتاريخ 03-04-2013  


أضف تقييمك

التقييم: 4.43/10 (1923 صوت)


 


Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
تصميم مصمم مواقع عبدالله Copyright © 2008 www.mettleofmuslem.net - All rights reserved


المقالات | مواضيع مهمة | الصوتيات | المنتديات | الرئيسية