حب الوطن بين الحقيقة والادعاء  «^»  أسئلة كتاب البيع  «^»  الثورة الخمينة .. النشأة والأهداف   «^»  وصية في رمن الفتن  «^»  المدارس الفقهية  «^»  موضوعات الفقه الإسلامي، وأقسامه  «^»  باب صلاة الاستسقاء  «^»  أسئلة باب الكسوف  «^»  اسئلة كتاب الحج  «^»  أسئلة على كتاب الزكاة كاملاً جديد المقالات

المقالات
مقالات
الخطب
موعظه

 عبدالله المعيدي

أما بعد: أمّا بعد: فإنّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وخير ما يوصى به هو التقوى، فهو الزاد الذي به الإيمان يقوى، وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة: 197]. ثمّ تأهّبوا للقاء الله العظيم، فها هي الأيام تجري سِراعًا، والشهور تمضي تِباعًا، والقبور مُشرَعةٌ أفواهُها، والمصير محتوم، والأجلُ مكتوم، فرحم الله عبدًا تأهّب للخاتمة، وجعل دنياه لدينه خادمةً، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء: 19].
أيها المسلمون في تغير الأحوال .. وحدوث الحوادث .. ذكرى للمتذكرين .. وعبرة للمعتبرين .. .. وما يتذكر إلا من ينيب، ومن غفل عن نفسه ياعباد الله .. تصرمت أوقاته، واشتدت عليه حسراته.
ثم اعلموا رحمكم الله أن الدنيا دارُ فناء وعناء، وإن ملكَ الموت لموتِرٌ قوْسَه، لا تخطئ سهامُه، ولا توصَى جراحُه، فبادروا العمل، وخافوا بغتة الأجل، وإن من العناء ـ عباد الله ـ أن يجمع المرءُ ما لا يأكل، ويبنيَ ما لا يسكن، ثم يخرجَ إلى الله، لا مالا حمل ولا بناءً نقل، فسبحان الله، ما أغرَّ سرورَ الدنيا، وأظمأ رِيَّها، وأضحى فيأَها، فلا جاءٍ يُردّ، ولا ماضٍ يرتدّ.
ولا بد للمؤمن العاقل من وقفةٍ صادقةٍ مع النفس في محاسبةٍ جادةٍ، ومساءلةٍ دقيقةٍ، فوالله لتموتن كما تنامون، ولتبعثنَّ كما تستيقظون، ولتجزون بما كنتم تعملون. وهل الأعمار إلا أعوام؟ وهل الأعوام إلا أيام؟ وهل الأيام إلا أنفاس؟ وإن عمراً ينقضي مع الأنفاس لسريع الانصرام.
أفلا معتبر بما طوت الأيام من صحائف الماضين؟ وقلَّبت الليالي من سجلات السابقين؟ وما أذهبت المنايا من أماني المسرفين؟ كل نفس من أنفاس العمر معدود. وإضاعة هذا ليس بعده خسارة في الوجود.
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا [آل عمران:30].
هذه يد المنون تتخطف الأرواح من أجسادها. تتخطفها وهي راقدة في منامها. تعاجلها وهي تمشي في طرقاتها. تقبضها وهي مكبة على أعمالها. تتخطفها وتعاجلها من غير إنذار أو إشعار. فَإِذَا جَآء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَـئَخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ [النحل:61].
ها هو ابن آدم يصبح سليماُ معافى في صحته وحُلَّته، ثم يمسي بين أطباق الثرى قد حيل بينه وبين الأحباب والأصحاب.
ويلٌ للأغرار المغترين. يأمنون الدنيا وهي غرارة. ويثقون بها وهي مكارة. ويركنون إليها وهي غدارة. فارقهم ما يحبون، ورأوا ما يكرهون. وحيل بينهم وبين ما يشتهون. ثم جاءهم ما يوعدون. ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون.
إنها الدنيا: تُبكي ضاحكاً، وتضحك باكياً. وتُخيف آمناً، وتؤمن خائفاً، وتفقر غنياً، وتغني فقيراً. تتقلب بأهلها، لا تُبقي أحداً على حال. العيش فيها مذموم، والسرور فيها لا يدوم، تُغيِّر صفاءها الآفات، وتنوبها الفجيعات، وتفجع فيها الرزايا، وتسوق أهلها المنايا. قد تنكرت معالمها، وانهارت عوالمها.
أيها الإخوة: لا يعرف حقيقة الدنيا بصفوها وأكدارها، وزيادتها ونقصانها إلا المحاسب نفسه. فمن صفَّى صُفِّيَ له، ومن كَدَّر كُدِّر عليه، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله. ومن سرَّه أن تدوم عافيته فليتق الله ربَّه، فالبر لا يبلى، والإثم لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان. وإذا رأيت في عيشك تكديراً وفي شأنك اضطراباً، فتذكر نعمةً ما شُكرت، أو زلة قد ارتكبي فجودة الثمار من جود البذار، ومن زرع حصد، وليس للمرء إلا ما اكتسب، وهو في القيامة مع من أحب.
يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: من عرف أنه عبدٌ لله وراجعٌ إليه فليعلم أنه موقوف. ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسؤول، ومن علم أنه مسؤول فليُعد لكل سؤال جواباً. قيل: يرحمك الله فما الحيلة؟ قال: الأمر يسير. تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى. فإنك إن أسأت فيما بقي أخذت بما مضى وما بقي.
بارك الله لي ولكم ..
أيها المسلمون: من عرف قلبه عرف ربَّه، وكم من جاهل بقلبه ونفسه، والله يحول بين المرء وقلبه. يقول ابن مسعود رضي الله عنه: هلك من لم يكن له قلبٌ يعرف المعروف وينكر المنكر.
أيها الإخوة: لا بد في للمسلم من محاسبةٍ تَفُضُّ تغاليق الغفلة، وتوقظ مشاعر الإقبال على الله في القلب واللسان والجوارح جميعاً.
من لم يظفر بذلك فحياته كلها والله هموم في هموم، وأفكارٌ وغموم، وآلامٌ وحسرات. بل إن الله لم يبعث نبيه محمداً إلا بالمهمتين العظيمتين: علم الكتاب والحكمة وتزكية النفوس. هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلأُمّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ [الجمعة:2].
أيها الإخوة: إن في القلوب فاقةً وحاجةً لا يسدها إلا الإقبال على الله ومحبته والإنابة إليه، ولا يلم شعثها إلا حفظ الجوارح، واجتناب المحرمات، واتقاء الشبهات.
أيها الناس: من خاف الوعيد قصُر عليه البعيد، ومن طال أمله ضعف عمله، وكل ما هو آتٍ قريب، وما شغل عن الله فهو شؤم.
يقول الحسن رحمه الله: المؤمن قوَّام على نفسه، يحاسب نفسه لله. وإنما خف الحساب يوم القيامة على أقوام حاسبوا أنفسهم في الدنيا. وشق الحساب على أقوام يوم القيامة أخذوا هذا الأمر على غير محاسبة. فحاسبوا أنفسكم رحمكم الله وفتشوا في قلوبكم.
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأي قلب أُشرِبها نكتت فيه نكتة سوداء. وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب على قلبين قلب أسود مربادٌّ كالكوز مُجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب هواه، وقلب أبيض لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض)) [1].
يقول بعض الصالحين: يا عجباً من الناس يبكون على من مات جسده، ولا يبكون على من مات قلبه. شتان بين من طغى وآثر الحياة الدنيا، وبين من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى.
تمرض القلوب وتموت إذا انحرفت عن الحق وقارفت الحرام؛ فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5]. تمرض القلوب وتموت إذا افتتنت بآلات اللهو وخليع الصور؛ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة:67].
كل الذنوب تميت القلوب، وتورث الذلة، وضيق الصدر ومحاربة الله ورسوله.
يقول الحسن رحمه الله: ابن آدم: هل لك بمحاربة الله من طاقةٍ؟ فإن من عصى الله فقد حاربه، وكلما كان الذنب أقبح كان في محاربة الله أشد. ولهذا سمى الله أكلة الربا وقطاع الطريق محاربين لله ورسوله لعظم ظلمهم وسعيهم بالفساد في أرض الله. قال وكذلك معاداة أوليائه فإنه تعالى يتولى نصرة أوليائه ويحبهم ويؤيدهم فمن عاداهم فقد عادى الله وحاربه.

نشر بتاريخ 25-09-2011  


أضف تقييمك

التقييم: 5.56/10 (2115 صوت)


 


Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
تصميم مصمم مواقع عبدالله Copyright © 2008 www.mettleofmuslem.net - All rights reserved


المقالات | مواضيع مهمة | الصوتيات | المنتديات | الرئيسية