أسئلة كتاب البيع  «^»  الثورة الخمينة .. النشأة والأهداف   «^»  وصية في رمن الفتن  «^»  المدارس الفقهية  «^»  موضوعات الفقه الإسلامي، وأقسامه  «^»  باب صلاة الاستسقاء  «^»  أسئلة باب الكسوف  «^»  اسئلة كتاب الحج  «^»  أسئلة على كتاب الزكاة كاملاً  «^»  أسئلة على باب صلاة التطوع وأوقات النهي جديد المقالات

المقالات
البحوث والدراسات
فقه التعامل بين الزوجين 1/4

د. عبدالعزيز بن فوزان الفوزان

مقدمة:
الحمدُ لله الذي شرع لنا سُنن الهدى، وفَضَّلَنا بهذا الدِّين على سائِر الورى، وحقق لنا به مصالح الآخرة والأولى.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له ما في السموات وما في الأرض، ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذي أحسنوا بالحسنى.

وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، نبي الرحمة والهدى، والرسول المجتبى، والقدوة المُثْلى، أكمل الناس خلقًا، وأتقاهم لربِّه سرًّا وجهرًا، وأرعاهم لحُقُوق العباد ظاهرًا وباطنًا - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه مناراتِ الهُدى، ومصابيح الدُّجى، ومَن سار على نَهْجِهم واقتفى.

أمَّا بعدُ: فقد أَخْبَرَنَا اللهُ تعالى في محكم كتابه أنه لم يخلقنا عبثًا، ولم يتركنا سُدى، بل خَلَقَنَا لغايةٍ عظيمةٍ، وحكمةٍ جليلةٍ، ألا وهي طاعته وإخلاص العبودية له وحده: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[1]، {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ}[2].

ولكن هذه العبوديَّة لا تَتَحَقَّق وتظهر إلاَّ بالابتلاء بأنواع الخير والشر؛ ولهذا قال ربُّنا - عز وجل -: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}[3]، فدلتِ الآيةُ الكريمةُ على أن الإنسان إنَّما خُلق للابتلاء والامتحان، والابتلاء ليس مقصودًا لذاته، وإنَّما لما يترتَّب عليه من حصول العبودية أو عدمها، وقوتها أو ضعفها، وليتبين الصبور الشكور من الجزوع الكفور، والمؤمن الصادق من الدَّعيِّ المنافق، والمؤمن القوي منَ المؤمن الضعيف، ومن يراقب الله - تعالى - ويخافه ويرجوه، ممن لا يرجو ثوابه، ولا يخاف عقابه، ولا يوقِّر جنابه؛ ولهذا قال سبحانه: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}[4].

فبَيَّنَ - عز وجل - أنه يبتلي عباده بالخير والشر، وما يحبون وما يكرهون امتحانًا واختبارًا لهم، وتمحيصًا لإيمانهم، وكشْفًا لِمَعَادِنهم، فالفتنة هي كير القلوب، ومسبار الاختبار، ومحكّ الإيمان، وبها يَتَبَيَّن الصادقُ من الكاذب، والبر منَ الفاجر، والمؤمن من الكافر، والطيب من الخبيث، وبها ينقسم المؤمنون إلى طبقات كثيرة، ومراتب مختلفة بحسب إيمانهم وجهادهم، وشكرهم وصبرهم؛ {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}[5]، {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}[6].

وإنَّ من أعظم صور الابتلاء، وأكثرها تَكَرُّرًا وملابسة للإنسان، ابتلاء الخلق بعضهم ببعض، كما قال ربنا - عز وجل -: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا}[7]، {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ}[8]، {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}[9]، {وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ}[10].

فبَيَّنَ ربنا - تبارك وتعالى - أنه امتَحَنَ العبادَ بعضهم ببعض، وجعل بعضهم لبعض فتنة، فامتحن الوالد بولده، والولد بوالده، والزَّوج بزوجته، والزَّوجة بزوجها، والقريب بقريبه، والجار بجاره، والصَّاحب بصاحبه، والرَّاعي برعيَّته، والرعية براعيها، والعلماء بالجهال، والجهال بالعلماء، والمرسلين بالمرسل إليهم، والمرسل إليهم بالمرسلين، والمسلمين بالكافرين، والكافرين بالمسلمين، والصَّالحين بالفاسقين، والفاسقين بالصَّالحين، والآمرين بالمعروف بمَن يأمرونَهم، والمأمورين بهم، وامتحن الغني بالفقير، والفقير بالغني، والصغير بالكبير، والكبير بالصغير، والقوي بالضعيف، والضعيف بالقوي، والمعافى بالمبتلى، والمبتلى بالمعافى، والمرأة بالرجل، والرجل بالمرأة.

وهكذا فكل صنف منَ البَشَر مبتلى بمن يقابله، وممتحن بمن يعامله ويلابسه، هل يقوم بحقوقه، ويؤدي واجباته، ويحسن معاملته، وينصح له، ويكف الأذى عنه، ويتَّقي الله - تعالى - فيه؟ أو أنه يظلمه ويهضمه، أو يحسده ويبغضه، أو يحقره ويتجاهله، أو يخذله ويسلمه، أو يشق عليه ويحزنه، أو ينتهك حرماته، أو يقصر في القيام بحقوقه وواجباته؟

ومن أعْظَم صور امتِحان الخلق بعضهم ببعض: امتحان كلٍّ من الزَّوجين بالآخَر؛ لأن العلاقة بينهما من أقوى العلاقات، والصلة بينهما تُراد للدَّوام حتى الممات، حق كلٍّ منهما على الآخر كبيرٌ وكثيرٌ.

ولما كثرت الخلافات الزوجيَّة، والمشكلات الأسرية، وارتفعتْ نسب الطلاق والشِّقاق؛ بسبب ضعْف الإيمان، ورقَّة الدين، وقلَّة الفِقْه والبصيرة، واتِّباع الهوى، والانشِغال بالدنيا، كان الحديث عن فقه التَّعامل بين الزوجين، والتذكير بحق كل منهما على الآخر من الأمور الملحَّة، التي تمس الحاجة إلى معرفتها وبيانها، والتأكيد على أهميتها، وعظم شأنها، والترغيب في القيام بها، والتَّرْهيب من إهْمالِها، والتَّنكُّر لها.

ولهذا، فلم أقتَصِر على مجرَّد بيان هذه الحقوق وشرْحِها، بل سلكتُ طريقةَ القُرآن والسنَّة في مخاطَبة العقول والقلوب، والاهتِمام بالتَّرغيب والتَّرهيب، وبيان الثَّمرات المفيدة، والعواقب الحميدة، لمن قام بِها على الوجْه المأْمور به شرعًا، وبيان العواقب السيِّئة في الدُّنيا والآخرة لِمن أهْملها أو قَصَّر فيها.

كما قدمتُ لذلك بتمهيد، أرى أنَّه غاية في الأهمية، بَيَّنتُ فيه عظم شأن حسن الخلق، وأهمية معاملة الناس بالمعروف، والبر بهم قولاً وفعلاً، ومخالقتهم بخلق حسن، وأن ذلك من أجلِّ العبادات، وأفضل الأعمال وأحبها إلى الله، وأزكاها عنده، وأحظاها لديه، وأن أحق الناس بذلك، وأحوجهم إلى المخالقة الحسنة: هم أهل الإنسان وقرابته، كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم))[11].

فبَيَّنَ فضل حسن الخلق مطلقًا، وأن أكمل الناس إيمانًا أحسنهم خلقًا، ثم بَيَّن أن أعلى الناس رتبة في الخير، وأحقهم بالاتصاف به هو من كان خيرَ النَّاس لأهله، فإن الأهل هم الأحقَّاء بالبِشْر، وطيب المعاملة، ودماثة الخلق، وحسن المعاشرة، وجلْب النَّفع ودفع الضُّر، فإذا كان الرَّجُل كذلك فهو خير النَّاس، وإن كان على العكْس من ذلك، فهو في الجانب الآخَر من الشَّرِّ.

وكثيرًا ما يقع الناس في هذه الورْطة، فترى الرَّجُل إذا لقي أهله كان من أسوأ الناس أخلاقًا، وأضيقهم عطنًا، وأكثرهم منًّا، وأشحِّهم نفسًا، وأقلهم خيرًا، وإذا لقي غير الأهل من الأجانب لانت عريكته، وانبسطت أخلاقه، وحسنت معاملته، وجادت نفسه، وكثُر خيره.

ومن كان كذلك كان محرومًا من التوفيق، وزائغًا عن سواء الطريق، وهو دليل على جهله وقلَّة فقهه.

والنَّاظر في أحوال كثيرٍ من المسلمين اليوم يَجد تناقُضًا ظاهرًا بين ما أوصاهم به ربهم من رعاية حقوقه، وحقوق عباده، وبين ما هم عليه من تفريط في جنب الله، وعدم رعاية لحقوق عباد الله.

بل كثيرٌ من الناس يظنُّون أن التقوى هي القيام بحقوق الله - تعالى - دون حقوق عباده، وأنَّ الدين يقتصر على معاملة الخالق دون المخلوق، فيهملون حقوق العباد بالكليَّة، أو يقصرون فيها، ويستهينون بظُلم الناس وبخسهم حقوقَهم.

ومَن تَأَمَّلَ النصوص الواردة في الحثِّ على حسن الخلق، فإنه لا ينقضي عجبه من عظم شأنه، وعلو مكانته، ويدهش لكثرة ما رتِّب عليه من الأجْر والثَّواب، وما لصاحبِه من المدْح والثَّناء، ورِفْعة المنزلة، وحسن العاقبة في الدُّنيا والآخرة.

كما أنَّه يعجب من غفلةِ كثيرٍ من النَّاس عن هذا الخير، وتفريطهم فيه، وحِرْمانهم إيَّاه، مع أنَّه لا يكلِّفهم شيئًا يذكر، وبه يحصِّلون خيرَي الدُّنيا والآخرة.

ويا ليتَ هؤلاء إذْ قصَّروا في القيام بحقوق العباد، ومخالقتهم بخلق حسن، كفُّوا أذاهم عنهم، وطهَّروا أيديَهم وألسنَتَهم من الاستطالة عليهم، وبَخْسهم أشياءهم، ولكنَّهم - لسوءِ حظِّهم وقلَّة توفيقهم - لا يتورَّعون عن ظُلْمِهم، والتعدِّي على مصالحهم، ومطْلهم حقوقهم، فجمعوا بين سيِّئَتين، واحتملوا جرْمَين عظيمين، ووقعوا في ظُلم العباد من جهتين: جهة إيذائهم والعدوان عليهم، وجهة التقصير في حقوقهم وما يجب لهم، ويغفلون عما يستوجبه ذلك من الإثم والشُّؤم، والعقوبات العاجلة والآجلة، وما ورد فيه من الوعيد الشديد الذي تقشعرُّ له الجلود المؤمنة، وترجُف له القلوب الحيَّة خشيةً ورهبةً.

وقد انتظم البحث في مقدِّمة، وخاتمة، وتمهيد، بعنوان: "الدين حسن المعاملة"، وأربعة مباحث على النَّحو التالي:
المبحث الأول: الحقوق المشتركة بين الزَّوجين.
المبحث الثاني: الحقوق الخاصَّة بالزَّوجة.
المبحث الثالث: الحقوق الخاصَّة بالزَّوج.
المبحث الرابع: نصائح أبويَّة غالية.

هذا، وأسأل الله - تعالى - أن يجعلَ هذا العمل خالصًا لوجْهِه، نافعًا لعباده، ذخرًا لي يوم لقاه، وأن يغفر لي ما كان فيه من خطأ أو تقصير، إنه هو الغفور الشكور.

تمهيد: الدين حسن المعاملة:
حياة الإنسان في هذه الدنيا دائرةٌ بين معاملة الحقِّ سبحانه، ومعاملة الخلق منَ الإنس والجن، والحيوانات والنباتات، والجمادات وغيرها، وعلى حسَب هذه المعاملة يكون جزاء الإنسان في الدُّنيا والآخرة، فإذا أحسن في معامَلة الله - عزَّ وجلَّ - بأن أحبَّه وعَظَّمَه، وشكر آلاءَه ونِعمه، وأطاع أوامرَه، واجتنب نواهيَه، وأحسن في معاملة الخلْق كما أمره الله، فاجتهد في النُّصح لهم، والإحسان إليْهم، والعدل في معاملتهم والرِّفق بهم، والتلطُّف معهم، واحتِمال الأذى منهم، وكف الظُّلم عنهم، فإنَّه يفوز بسعادة الدُّنيا والآخرة، وترتفع منزلتُه عند الله تعالى، وعند النَّاس، ويوضع له القَبول في الأرض، والمحبَّة في قلوب الخَلْق.

ولقد قرن الله - تعالى - حقَّ الخلق بحقِّه، وَأَمَرَ بالإحسان إليْهم بعد الأمْرِ بعبادته، وذلك في آياتٍٍ كثيرة من كتابِه، وعلى لسان رسولِه - صلَّى الله عليه وسلَّم.

قال الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}[12]، إلى قوله: {وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ}[13]، فَأَمَرَ بعبادته وحْدَه لا شريك له، وبالإحسان إلى الوالدين اللذين هما أقربُ الناس نسبًا، وأمسهم رحمًا، وأحقهم بالبرِّ وحسن الصُّحبة، وأمر بإيتاء القرابة والمحتاجين حقوقهم.

وقال - سبحانه: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}[14]، فأَوْصَى بعبادته، وبالإحسان إلى خلقِه من الوالدين، والقرابة، والجيران، والأصحاب، والضعفاء، والمساكين، والآية عامَّة في جميع المذكورين، من المسلمين والكافرين، والصَّالحين والفاسقين، والقريبين والبعيدين، فكلُّهم يجب العدل في معاملتهم، والإحسان إليهم، وإن كان حق المسلم أعظم من حقِّ الكافر، وحق القريب آكَد من حقِّ البعيد، فكلٌّ يجب له من البرِّ والإحسان بحسب قربة ومنزلته، وعلى قدر حاجته وما يناسبه.

وعلى هذا تواطَأَتْ رسالات السماء، وأوصتْ به جميعُ الأنبياء؛ قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}[15]؛ أي: أخذ الميثاق عليهم على ألسنة أنبيائِهم أن يعبدوه وحده لا شريك به، وأن يُحسنوا إلى الوالدين والأرحام واليتامى والمساكين، بكلِّ قول وفِعْل جميلٍ، ثم أَمَرَ بالإحسان إلى الناس عمومًا، فقال: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}[16]؛ أي: قولاً حسنًا، لطيفًا رفيقًا، طيبًا مفيدًا، وهذا عامٌّ في القريب والبعيد، والبر والفاجر، والمسلم والكافر، إلا أن يكونَ محاربًا؛ قال الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ}[17].

وقد حذف المعمول في قوله: {أَنْ تَبَرُّوهُمْ}؛ ليشمل كلَّ أنواع البرِّ والإحسان، بالقول والفعل، وإذا كنَّا مأمورين بالإحسان في معامَلة الكفار، والبر بهم قولاً وفعلاً، تأليفًا لقلوبهم، وترغيبًا لهم في الإسلام، فكيف بالمسلمين الحنفاء؟ بل كيف بالزَّوج المُسلم، الذي له حقُّ الإسلام وحق الزوجيَّة أيضًا؟

فالقولُ الحَسَن يؤنس النفوس، ويفتح مغاليق القلوب، ويعين على قَبول الحق والانقياد له، ويورث المحبَّة والتقدير لصاحبه، وهو يدلُّ على سموِّ نفسه، وحسن خلقه، وعفَّة لسانه، وهذا ما يجب أن يكونَ عليه المسلمُ، فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ليس المؤمن بالطَّعَّان، ولا اللَّعَّان، ولا الفاحش، ولا البذيء))[18].

وفي الصَّحيحين: عن عَائشة - رضي الله عنها - قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: السَّام عليكم، فقالت عائشة: ففهمتها، فقلت: وعليكم السام واللَّعنة، قالتْ: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مهلاً يا عائشة، إن الله يحبُّ الرِّفق في الأمر كله))، فقلتُ يا رسول الله: أَوَلَم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قلت: ((وعليكم))[19]، وفي رواية لأحمد وابن خُزَيمة: فنظر إليَّ، فقال: ((مَه، إن الله لا يحبُّ الفُحش ولا التَّفَحُّش، قالوا قولاً فرددناه عليهم، فلم يضرَّنا شيء، ولزمهم إلى يوم القيامة))[20].

فالحلم والأناة، والتلطُّف والترفُّق، والبشاشة وطلاقة الوجه، ولين الجانب وحسن المعامَلة، والصبر واحتمال الأذى، من أبرز الصفات التي تجمع لصاحبها خيري الدنيا والآخرة، وهي مع عظيم نفعها، وجميل عائدتها، وحُسن عاقبتها، لا تكلِّف صاحبها شيئًا يُذكر، ولذلك قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بَسْط الوجه، وحُسن الخُلُق))[21].

ثم إنَّ الله - تعالى - أَكَّد الأمر بعبادته والإحسان إلى خلقه، بقوله في آخر الآية: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}[22]، فإنَّ الصَّلاة عبادة خالصة لله، والزَّكاة عبادة متضمِّنة للإحسان إلى الناس[23].

وقد بَيَّن اللهُ - تعالى - منهج التَّعامل مع الناس في آية مختصرة جامعة، فقال سبحانه: {خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ}[24].

قال جعفر الصَّادق: "أَمَرَ الله نبيَّه - صلَّى الله عليْه وسلَّم - بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية"[25].

وذلك أنَّها تَضَمَّنَتِ الإحسانَ إلى الناس بالرِّفق في مُعاملتهم، والتَّيْسير عليهم، والنُّصح لهم، والإعراض عن جاهلهم، ومنها يؤخَذ أن للمسلم في تعامله مع الناس ثلاثة أحوال:
الأول: أن يأخذ منهم ما سهل عليهم، وطوعت به نفوسهم، وتيسر لهم بذله من أموالهم وأخلاقهم وأعمالهم، وأن يتركَ الاستقصاء عليهم، والتفتيش عن بواطنهم، ويلتمس المعاذير لهم، ولا يجهدهم ويشق عليهم، ويحملهم على الشطط والعَنَت، فيؤذيهم ويحرجهم.

قال عبدالله بن الزُّبَير - رضي الله عنهما -: أَمَرَ اللهُ نبيه أن يأخذَ العفوَ من أخلاق الناس، وقال مُجاهد: يعني خُذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تحسُّس[26].

الثاني: أن يأمرَهم بالمعروف، وينْهاهم عن المُنكر؛ لأنَّ عاقبة ذلك صلاحُ أمرهم في دنياهم وآخرتهم.

الثالث: أن يُعْرِضَ عنِ الجاهلين، ويصفح عنهم، ولا يشغل نفسه في الانتقام منهم، ومطاولتهم والرَّد عليهم، ومقابَلة جهلهم وسفههم.

قال ابن العربي: "قال علماؤنا: هذه الآية من ثلاث كلمات، قد تضمنتْ قواعد الشريعة المأمورات والمنهيَّات، حتى لم يَبقَ فيه حسنةٌ إلا أوضحتها، ولا فضيلةٌ إلا شرحتها، ولا أُكرومة إلا افتتحتها، وأخذت الكلمات الثلاث أقسام الإسلام الثلاثة، فقوله: {خُذِ العَفْوَ}: تولَّى بالبيان جانبَ اللين، ونفي الحرج في الأخْذ والإعطاء والتكليف.

وقوله: {وَأْمُرْ بِالعُرْفِ}: تناول جميع المأمورات والمنهيات، وإنهما ما عُرف حكمه، واستقرَّ في الشريعة موضعُه، واتفقتِ القلوب على علمِه.

وقوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ}: تناوَلَ جانب الصَّفْح بالصبر الذي به يَتَأَتَّى للعبد كل مراد في نفسه وغيره"[27].

وقال ابن القيم: "فلو أخذ الناس كلهم بهذه الآية لكفَتْهم وشفَتْهم، فإنَّ العفو ما عفا مِن أخلاقهم، وسمحت به طبائعهم، ووسعهم بذلُه من أموالهم وأخلاقهم.

فهذا ما منهم إليه، وأما ما يكون منه إليهم فأَمْرهم بالمعروف، وهو ما تشهد به العُقُول، وتعرف حسنه، وهو ما أَمَرَ الله به، وأما ما يُتَّقَى به أذى جاهِلهم، فالإعراضُ عنه، وترك الانتقام لنفسه، والانتصار لها.

فأيُّ كمال للعبد وراء هذا؟ وأية معاشرة وسياسةٍ لهذا العالَم أحسن مِن هذه المعاشَرة والسياسة؟ فلو فكَّر الرجل في كل شر يلحقه من العالَم - أعني: الشر الحقيقي الذي لا يوجب له الرِّفعة والزلفى من الله - وجد سببه الإخلال بهذه الثلاث أو بعضها، وإلاَّ فمع القيام بها، فكلُّ ما يحصل له من الناس فهو خير له، وإن كان شرًّا في الظاهر، فإنه يتولَّد من الأَمْر بالمعروف، ولا يتولَّد منه إلا خير، وإن ورد في حالة شرٍّ وأذى"[28].

ولو لم يرد في الدلالة على أهمية حسن الخلق، وعظيم أثره، وشدة الحاجة إليه، إلا آية (آل عمران)، لكان ذلك كافيًا، قال الله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}[29].

فإذا كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي أوتِي كلَّ مقومات المحبة والقَبول، ومحبته مُقَدَّمة على محبة النفس والأهل والناس أجمعين، وهو سيِّد ولد آدم، وأفضل من مَسَّ الثرى، وحملتْه المطايا، وهو أرفع الناس نسبًا، وأكرمهم أصلاً ومحتدًا، وأجملهم مظهرًا وجوهرًا، وأرجحهم رأيًا وعقلاً، وأحسنهم بيانًا ومنطقًا، وأبلغهم حجَّة وبُرهانًا، وأتقاهم لربِّه سرًّا وجهارًا، وأعلاهم منزلة ومكانًا، وأنداهم يدًا، وأجزلهم عطاء، وهو رئيس الدولة وقاضيها وقائدها، ورسول رب العالمين ووليُّه وخليله، وصحابته - رضي الله عنهم - هم أفضل هذه الأمة بعده، وأكمل النَّاس محبةً له، ومع كلِّ ذلك يُقال له: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}!

فكيف بغيره من البشَر، وهم دونه بمراحل كثيرة، وليس لهم من مقوِّمات المحبة والقَبول، ووُجُوب السَّمع والطَّاعة ما جعله الله له؟ فما أحوجَهم إذًا إلى تَرْك الفظاظة والغِلظة، والبعد عن الجفاء والقسوة، واستعمال الرفق واللين.

ولذا كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُبايِع أصحابَه على القيام بحقِّ الله - تعالى - والنُّصح لعباده؛ فقد روى البخاري ومسلم، عَنْ جَرِير بن عبدالله البجلي - رضي الله عنه - قال: "بايَعْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنُّصح لكلِّ مسلم"[30].

فبايعه على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وهما أظهر العبادات، وأهم أركان الإسلام بعد الشهادتينِ، والقيام بهما عنوان الاستقامة على طاعة الله تعالى، وبايعه على النُّصح لكلِّ مسلم، والنُّصح لا يقتصر على مجرد الوعظ بالقول، كما قد يتبادر إلى الذِّهن، بل يعني إيصال كل ما أمْكَن من الخير، ودفع كل ما أمكن منَ الشر، بالقول والفعل، فجمع - عليه الصَّلاة والسَّلام - بَيْن الأمر بطاعة الله والإحسان إلى خلقه.

وعن أبي ذر - رضِي الله عنه - قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((اتَّقِ الله حيثما كنتَ، وأتبع السيئةَ الحسنة تَمْحُها، وخالق الناس بِخُلُق حَسَن))[31].

وهذا حديثٌ عظيمُ الشأن، جليل القدر، قد تضمَّن - على وجازة لفظه - بيانَ واجب العبد تجاه ربِّه، وتجاه نفسِه، وتجاه الناس.

أما واجبه تجاه ربه، فهو أن يتَّقيه في السر والعلن، وفي كلِّ مكان وزمان، وذلك بطاعته، واجتناب معصيته، وشُكر نعمه.

وأمَّا واجبه تجاه نفسه، فهو أن يقيمَها على طاعة الله تعالى، ولا يعرِّضها لسخطه ومقته، وشؤم الذَّنب، وسُوء عاقبته؛ فإذا فرطت منه السيئة، أتْبعها بالحسنة، لتزيل أثرها من القلب، وتمحوها من ديوان الحَفَظَة، فإنَّ الخيرَ يرفع الشَّر، والنور يزيل الظُّلمة، والمرض يعالج بضدِّه، والحسنات يذهبن السيئات.

وأما واجبُه تجاه النَّاس، فهو أن يعاملَهم بخُلُق حَسَن، ويُعاشِرهم بالمعروف، فيُحْسن إليهم، وينصح لهم، ويكفّ الأذى عنهم، ويتحمَّل الأذى منهم، ويحرص على إيناسهم، وإدخال السرور عليهم، ويكون طلْق المُحَيَّا، باسم الثغر، لين الجانب، نديَّ اليد، لطيف المعامَلة، أليفًا مألوفًا، رفيقًا عطوفًا، عفيفًا شريفًا.

ولا شكَّ أنَّ مخالَقة النَّاس بخُلُق حسن جزْءٌ مهم من التَّقوى، بل لا تتم التقوى إلا به، ولكنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - خصَّه بالذِّكر؛ اهتمامًا بشأنه، وتنويهًا بفضله، وتنبيهًا على أهميته، وشدة الحاجة إليه.

قال ابن رجب: "قوله: ((وخالق الناسَ بخُلُق حسن))، هذا من خصال التَّقوى، ولا تتمُّ التَّقوى إلاَّ بِه، وإنَّما أفْرَدَه بالذِّكر للحاجة إلى بيانه، فإنَّ كثيرًا من النَّاس يظنُّ أنَّ التَّقوى هي القيامُ بحقِّ الله دون حقوق عباده، فنَصَّ له على الأمر بإحْسان العِشرة للنَّاس، فإنَّه كان قد بعثه إلى اليمن مُعَلِّمًا لهم، ومفقِّهًا وقاضيًا، ومَن كان كذلك فإنَّه يَحتاج إلى مخالَقة الناس بخُلُق حسن ما لا يحتاج إليه غيره ممن لا حاجة للناس به ولا يخالطهم، وكثيرًا ما يغلب على مَن يعتني بالقيام بحقوق الله، والانعِكاف على محبَّته وخشْيته وطاعته إهمالُ حقوق العباد بالكليَّة أو التقصير فيها، والجمعُ بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيزٌ جدًّا، لا يقوى عليه إلا الكُمَّلُ من الأنبياء والصديقين"[32].

وإنك لتعجب من أناس يحرصون على أداء الشعائر التعبديَّة، ويلتزمون بالمظاهر الشرعية، ويجتهدون في نوافل العبادات، من صلاة، وصيام، وتلاوة، وذِكر، وغيرها، ولكنَّهم لا يُولون جانب المعامَلة للخَلْقِ اهتمامًا يُذكر، ولا يرَوْن لِحُسن الخلق مكانة تُعتبر، فتجد عند بعضهم - مع الأسف - منَ الحِقْد والحسد، والعجب والكبر، والظلم والبخس، والبغْضاء والشحناء، والتَّهاجُر والتَّدابُر، والكذِب والتَّدليس، والغشّ والمخادَعة، وإخلاف الوعود، ونقض العهود، والقطيعة والعقوق، ومطْل الحقوق، وأكْل أموال النَّاس بالباطل، وخيانة الأمانة، والولوغ في أعْراض الناس، والسَّعي بالنميمة والإفساد، وتتبُّع العورات، والتدخُّل فيما لا يعني، ما يتنافى وكمال الإيمان، ويتناقَض مع ما هم عليه من مظاهر الصلاح والديانة.

وكأن معاملة الخلق ليستْ من الدين، أو أن صاحب الخُلُق الحَسَن ليس بمأجورٍ ولا مشكور، وصاحب الخلق السَّيئ ليس بمذمومٍ ولا مأزور، أو كأنَّ ظلمَ الناس لا حرج فيه ولا بأس، مع أنَّ ظُلمهم أشد من ظُلم العبد لنفسه؛ إذ حقوق العباد مبنية على المشاحة والمقاصة، وحُقوق الله - تعالى - مبنيَّة على المسامحة والمساهَلة، ومَن فرط في جنب الله كان بإمكانه أن يستعتب ربَّه متى شاء، لكنه إذا ظَلَمَ الناس لم يضمنْ أن يحلوه ويسامحوه في ظُلمه لهم، وتعدِّيه على حقوقهم، بل إن حقوق العباد يجتمع فيها حقُّ الخالق وحق المخلوق، فالله تعالى لا يرضى لعبادِه الظُّلْم، وأحب الناس إليه أنفعهم لعبادِه، وأرعاهم لحقُوقِهم، وأقومهم بمصالحهم.

والحقيقةُ: أنَّ هؤلاءِ يهدمون ما يبْنون، ويفسدون ما يعملون، ويحبطون حسناتهم مِن حيث لا يشعرون، فهم يجتهدون في أداء الفرائِض والنوافل نهارهم وليلهم، وقد يصبح الواحد منهم ولا حسنة له، ويجمعون حسناتٍ كأمثال الجبال من صلاة، وصيام، وصدقة، وذِكر، وغيرها، ثم يذهبونها بأنواع منَ الكبائر المتعلِّقة بظُلم الخَلْق، وسوء معاملتهم، وربَّما عند المعادَلة لا تقوم أُجُور صلواتِهم وطاعاتِهم بإثمِ ظُلمهم للعباد، ومطلهم حقوقهم.

وهذه وربِّي هي النَّكسة المرْدِية، والخسارة الفادِحة، والغبن الفاحش، والإفْلاس الذي ليس بعده إفلاس، وقد نَبَّه عليْه النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ناصِحًا ومحذِّرًا أمَّته، فقال: ((أتدْرون ما المُفلس؟))، قالوا: المُفْلس فينا مَن لا دِرْهَم له ولا متاع، فقال: ((إنَّ المُفْلِسَ مِن أُمَّتي مَن يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي وقد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَل مالَ هذا، وسفَك دم هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإنْ فنيتْ حسناتُه قبل أن يُقضى ما عليه أُخِذَ من خطاياهم فطرحتْ عليه، ثم طُرح في النار))[33].

قال النَّوويُّ: "معناه: أنَّ هذه حقيقة المفلس، وأمَّا مَن ليس له مال، ومن قلَّ مالُه فالنَّاس يسمُّونه مفلسًا، وليس هو حقيقة المفلس؛ لأنَّ هذا أمرٌ يزول وينقطع بموته، وربَّما ينقطع بيسار يَحصُل له بعد ذلك في حياته، وإنَّما حقيقة المفلس هذا المذكور في الحديثِ، فهو الهالكُ الهلاك التَّام، والمعدومُ الإعدام المُقَطَّع، فتؤْخَذ حسناتُه لغرمائِه، فإذا فرغت حسناته أُخِذ مِن سيِّئاتهم فوضع عليه، ثم أُلْقيَ في النَّار، فتمَّت خسارته وهلاكه وإفلاسه"[34].

وبَيَّنَ - عليه الصلاة والسلام - أثر سوء الخُلُق في إفساد الأعمال الصَّالحة، فقال: ((وإن سوء الخلق ليفسد العمل، كما يفسد الخل العسل))[35].

ويؤكِّد لك هذا أيضًا حديث أبي هُريرة - رضي الله عنه - قال: قيل للنَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: إن فلانة تصوم النهار، وتقوم الليل، وتؤذي جيرانها بلسانها، قال: ((لا خير فيها، هي في النار))، قيل: فإنَّ فلانة تصلِّي المكتوبة، وتصوم رمضان، وتتصدَّق بأثوار من أقط[36]، ولا تؤذي جيرانها، قال: ((هي في الجنة))[37].

فتأمَّل حال المرْأة الأولى، حيثُ لم ينفعْها صيام النَّهار، وقيام اللَّيل، ولم يُنجِها من النَّار؛ لأنَّها كانت تؤْذِي جيرانَها، فبطل ثوابُها، ومُحِق أجرُها، واستَحَقَّت النَّار، ونُفِيَتْ عنها الخيريَّة - والعياذ بالله - وأمَّا الثَّانية، فإنَّها لم تكن تصوم النَّهار، وتقوم اللَّيل، ولكنَّها لا تؤْذِي جيرانَها، فصارتْ من أهل الجنة.

وفي مقابل هؤلاء طائفة أخرى، ليسوا في منزلتهم من الالتزام بالمظاهر الشرعية، والحرص على أداء الشعائر التعبديَّة، ولكنَّهم حريصون على معاملة الناس بالحسنى، ومعاشرتهم بالمعروف، من أجل كسب مودَّتهم، والحظوة عندهم، واتِّقاء شرِّهم، فهم يفعلون ذلك من أجل الدُّنيا، ولا يحتسِبون الأجر فيه من الله تعالى.

وينسى هؤلاء وأولئك أو يَجهلون أنَّ الخُلُق الحسن عبادةٌ من أجلِّ العبادات، وقُربةٌ من أعظم القُرُبات، وعملٌ من أحبِّ الأعْمال إلى الله، وأزْكاها عنده، وأحْظاها لديه، فكان الواجبُ على كل مسلم أن يحرص عليه، ويجتهِد في التخلُّق به، ويحتسِب الأجر فيه عند الله تعالى، ويكون له فيه نيَّة صالحة تجعل خُلُقَهُ هذا عبادة تضاعَف له بها الحسنات، ويبلغ بها أعْلى الدَّرجات، مع ما يحصله تبعًا لذلك من محبَّة النَّاس وتقديرهم، فإنَّ النُّفوس جُبِلت على حبِّ مَن أحسن إليْها، وبُغض مَن أساء إليْها، والخُلُق الحسن يغطي المثالب، ويدفن المعايب.

ومن تأمَّل النصوص الواردة في الحثِّ على حسن الخلُق، فإنَّه لا ينقضي عجبُه من عظم شأنه، وعلو مكانتِه، ويدهش لكثرة ما رتِّب عليه منَ الأجْر والثَّواب، وما لصاحبه من المدْح والثَّناء، ورفعة المنزلة، وحسْنِ العاقبة في الدُّنيا والآخرة.

قال الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ}[38].

وجميع هذه الصفات التي جَعَلَهَا الله سمات للمتقين داخلةٌ في حُسن الخُلُق، وطيب المعاملة للخَلْق، والبر بهم، بالإنفاق على محتاجهم، وكظْم الغيظ عن مخطئهم، والعفو عمن زل منهم، والإحسان إليهم بكلِّ قول جميلٍ، وفعلٍ حميدٍ، فجمع بين وصفهم ببذل النَّدى، واحتمال الأذى، وهذا هو غاية حُسن الخُلُق[39].

وبَيَّن - سبحانه - في آيات أُخَر أنَّ حسن المعاملة مع الناس من أخصِّ أوصاف المؤمنين، التي نالوا بها الفلاح في الدنيا والآخرة، وبها صاروا في الدرجات العلى منَ الجنة؛ فقال - سبحانه -: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[40].

ولو تأمَّلت هذه الأوْصاف الستَّة التي استحقُّوا بها تلك المنازل العالية، لوجدت أربعة منها تَتَعَلَّق بمعاملة الخَلْق، والإحسان إليْهم، ورعاية حقوقهم، وصيانة أعراضهم وحُرُماتهم.

وممَّا يدلُّ على أهمِّيَّة حسن الخُلُق، وعِظَم شأنه: أنَّ الله - تعالى - وصف به أكرم خلقه، وأثنى عليه به؛ فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}[41]، وهذا كما أنه شهادة جليلة من ربِّ العزة - سبحانه، ومدح عظيم لرسولِه - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فإنَّه يدلُّ على عِظَم مكانة الخُلُق الحسن عند الله، وشدَّة احتفائِه بصاحبه، ومحبته له.

وفي الصحيحين: عن أنسٍ - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أحسن النَّاس خُلقًا"[42].

وقال أيضًا: "ما مسستُ ديباجًا ولا حريرًا ألين من كفِّ رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - ولا شممتُ رائحةً قطُّ أطْيب من رائحةِ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولقد خدمت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عشْر سنين، فما قال لي قط: أُفٍّ، ولا قال لشيء فعلتُه: لم فعلْتَه؟ ولا لشيءٍ لم أفعله: ألا فعلتَ كذا؟[43].

وفي رواية لأبي داود: خدمتُ النَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - عشْر سنين بالمدينة، وأنا غلام، ليس كلُّ أمري كما يشتهي صاحبي أن أكون عليْه، ما قال لي فيها: أف قط، وما قال لي: لم فعلت هذا؟ أو: ألا فعلت هذا؟[44].

فيا لله للعجب! يظل ملازمًا له عشر سنين وهو يخدمه، وهو بشر يجري عليه ما يجري على البشر من الغفلة والنِّسيان، والتقصير والخطأ، ومع ذلك لم يسمع منه طيلة هذه المدة كلمة تأفُّفٍ وتبرُّم، أو كلمة عتاب وتوبيخ، أو حتَّى كلِمة استنكار وتوجيه.

ولو قارنتَ هذا بحال كثيرٍ منَ النَّاس اليومَ مع خدمهم وعمَّالِهم، بل حتَّى مع أهليهم وأوْلادهم، لوجدتَ الفرْق واسعًا والبوْن عظيمًا شاسعًا، فالله المستعان.

وتقول عائشة - رضي الله عنها -: "ما ضَرَب رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - شيئًا قطُّ بيده، ولا امرأةً ولا خادمًا، إلاَّ أن يُجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيءٌ من محارم الله، فينتقِم لله - عزَّ وجلَّ"[45].

وكان - عليْه الصَّلاة والسَّلام - في معاملتِه للنَّاس، يأخُذ بأيْسَر الأمور وأوسعِها ما لم يكن إثمًا، فلا يكلِّفُهم شططًا، ولا يبغيهم حرجًا، ولا يحملهم مشقة وعنتًا.

فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "ما خُيِّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه في شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله تعالى"[46].

والأحاديث في حُسن خُلُقِه - صلى الله عليه وسلم - ودماثة معشره، وطلاقة وجهه، وكرمه وسماحته، ورأفته ورحمته، وحلمه وأناته، وتيسيره وتبشيره، وإخلاصه ونصحه، ورفقه برعيته، وحسن سيرته مع أصحابه، وتميُّز تعامله مع زوجاته، وعدله مع أعدائه، وإنصافه من نفسه - أمرٌ يطول شرحه، وشهرته تغني عن الإطالة في ذكره وتفصيله، ولو ذهبنا نجمع ما ثَبَتَ عنه في ذلك، لكتبنا فيه مجلدات كثيرة.

ولا غرو في ذلك؛ فهو الأُسوة الحسنة، والقدوة المتَّبَعة، والإمام المقتفى، والهادي لأقوم السبل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا}[47].

وكما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أروع الأمثلة على حسن الخُلُق بسيرته وأفعاله، فإنه حَثّ عليه حثًّا شديدًا بأقواله، وبَيَّنَ مكانته من الدِّين، وما رُتِّبَ عليه من عظيم الثواب والجزاء، وما لصاحبِه من كمال المدْح والثناء، ورفعة المنزلة عند الله تعالى.

فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سُئِل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: ((تقوى الله، وحسن الخلق))، وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: ((الفم، والفَرْج))[48].

فقَرَن - صلى الله عليه وسلم - بين حقِّ الخالق، وهو التقوى، وحقِّ المخلوق، وهو معاملته بالحُسنى، وبَيَّنَ أنَّ حُسن الخُلُق من أعظم أسباب دخول الجنة، وأقرب الطرق الموصِّلة إليها.

بل ضمِن - صلَّى الله عليْه وسلَّم - لمن حسن خُلُقه أن يكونَ في أعلى درجات الجنان، حيث قال: ((أَنَا زَعِيمٌ[49] بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ[50] لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ[51]، وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ في أعْلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ))[52].

وتَرْكُ المِرَاء والكذب من جُمْلة الأخلاق الحَسَنَة، وكل واحد منهما سبب لدخُول الجنة، ومن حسنتْ أخلاقه كلها، كان في الدرجات العلى منَ الجنة.

وفي الحديثِ حثٌّ ظاهر على ترك الكذب ولو في حال المزاح، وترك الإكثار من الجدال ولو كان صاحبه صادقًا محقًّا، وأن مَن تَرَكَهُ وهو محق، مراعاةً لأخيه المسلم، حتى لا يكسر قلبه ويحرجه، ولا يظهر فضله عليه وتميزه عنه، فهو مَحْمُود مأجور، وبخاصَّة في الأمور الدّنيويَّة التي لا ضرر في السكوت عليها، والإعراض عنها.

قال أبو حامد الغزالي: "حدُّ المراء: الاعتراضُ على كلام الغير بإظهار خلل فيه، إما في اللفظ، وإمَّا في المعنى، وإما في قصد المتكلم، وترْك المراء: بتَرْك الإنكار والاعتراض، فكلُّ كلام سمعته، فإن كان حقًّا فصدِّق به، وإن كان باطلاً أو كذِبًا ولم يكن متعلِّقًا بأمور الدِّين فاسكتْ عنه"[53].

ومعلومٌ أنَّ مَن تَرَكَ الكذب في حال المزاح، والمراء وهو محق، فهو لا شك أتْرَكُ لهما فيما هو أسوأُ مِن ذلك، وأكثر مَفْسدة، وهو الكَذِب في حال الجِدِّ، والمراء بالباطل.

وعن عياض بن حمار المجاشعي - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال ذات يوم في خُطْبَته: ((وَأَهْلُ الجَنَّةِ ثَلاَثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ القَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ، وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لاَ زَبْرَ لَهُ، الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لاَ يَتْبَعُونَ أَهْلاً وَلا مَالاً، وَالخَائِنُ الَّذِي لا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إلاَّ خَانَهُ، وَرَجُلٌ لاَ يُصْبِحُ وَلا يُمْسِي إلاَّ وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ، وَذَكَرَ البُخْلَ أَوِ الكَذِبَ، وَالشِّنْظِيرُ الفَحَّاشُ))[54].

فأهل الجنة ثلاثة، وكلهم استحقوا هذا النعيم بحسن أخلاقهم، ورحمتهم للناس، وإحسانهم إليهم:
فأولهم: هو السُّلطان العادل في رعيته، باذل المعروف لهم، الموفق في التعامل معهم.

والثاني: من كان قلبه رحيمًا رقيقًا لكلِّ ذي رحم، وكل مسلم، ومن كان كذلك كان قوامًا بحقوقهم، كافًّا للأذى والظلم عنهم.

ويؤكِّد ذلك أيضًا قولُه - عليه الصَّلاة والسلام -: ((حَرُم على النار كل هين لينٍ سهل قريب من الناس))، وفي رواية: ((أَلاَ أُخبركم بمَن يحرم على النار، أو بمن تحرم عليه النار؟ على كل قريب هين سهلٍ))[55].

والثَّالث: الفقير ذو العيال، المتعفِّف عن التكفُّف والسؤال، وإيذاء الناس بالشحاذة وطلب المال.

وأمَّا أهل النار، فهم خمسة، وكلهم استحقُّوا النَّار بسوء أخلاقهم، وتعديهم على مصالح العباد، وتقصيرهم في حقوقهم.

فأوَّلُهم: الضَّعيف الذي لا زبْرَ له - بفتْحِ الزَّاي، وإسكان الباء - أي: لا عقل له يزبُره، ويمنعه ممَّا ينبغي، وقيل: هو الذي لا مال له[56]، فهو سفيه فاسق، أو عائل فاجر، ليس له أهل ولا مال، ولا يتورَّع عن فعل القبائح، وانتهاك حرمات الناس، سئل مطرف بن عبدالله بن الشخير -: "أفَيَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَقَدْ أدْرَكْتُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَرْعَى عَلَى الحَيِّ مَا بِهِ إلاَّ وَلِيدَتُهُمْ يَطَؤُهَا"[57].

والثاني: "الخائن الذي لا يَخفى له طمعٌ، وإن دَقَّ إلا خانه، وهو الَّذي لا يلوح له طمع وإن قلَّ، إلا خان صاحبَه، وأخذه منه بغير حَقٍّ.

قال النَّوويُّ: "معنى لا يخفى: لا يظهر، قال أهلُ اللُّغة: يقال: خفِيتُ الشيء: إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته وكتمته، هذا هو المشهور، وقيل: هما لُغتان فيهما جميعًا"[58].

والثالث: رجل لا يصبح ولا يُمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، فهو مفسد في الأرض، هتَّاك للعرض والمال، مهلك للحرث والنسل.

والرابع: البخيل أو الكذَّاب[59]: وكلاهما ذو خُلُق سيِّئ، فالبخيل يمنعه بخلُه عنِ الإحسان إلى الناس وأداء حقوقهم، والكذَّاب مضارٌّ لهم، وماكرٌ بهم.

والخامس: الشِّنْظِير الفَحَّاشُ: والشنظير هو الفحاش، فيكون الثاني تفسيرًا للأول، ومعناه سيئ الخُلُق[60]، الذي يفعل ما تستفحشه العقول والفطر المستقيمة من الأعمال والأخلاق القبيحة المستنكَرة.

فتَبَيَّنَ من خلال هذا الحديث أنَّ حسن الخلق من أكبر أسباب الفوْز بالجنَّة، وسوء الخلق من أعظم الطُّرق الموصلة إلى النار، وبئس القرار.

وعن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إنَّ في الجنَّة غرفًا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطُنها من ظاهرها))، قال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال: ((لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات لله قائمًا والناس نيام))[61].

وتأمل كيف قدم الإحسان إلى الناس بالقول والفعل على صلاة الليل، مع عِظم شأن الصلاة عمومًا، وصلاة الليل خُصُوصًا؛ ليُبين فضل حُسن الخُلُق، وعظم جزاء صاحبه عند الله.

ولم يكنْ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يفتأ يدعو الناسَ إلى حسن الخُلُق، والإحسان إلى الخَلْق، ونفعهم وإدخال السرور عليهم، فذلك هو هجِّيراه ودَيْدَنُه في مناسبات كثيرة، واستمع إلى عبدالله بن سلام - رضي الله عنه - وهو يقول: لما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة انجفل النَّاس قِبَلَه، وقيل: قد قَدِمَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قد قدم رسول الله، قد قدم رسول الله، ثلاثًا، فجئت في الناس لأنظر، فلمَّا تبيَّنت وجهه عرفتُ أنَّ وجْهَه ليس بوجه كذَّاب، فكان أوَّل شيء سمعته تكلَّم به أن قال: ((يا أيُّها الناس، أفشوا السَّلام، وأطعِموا الطَّعام، وصِلُوا الأرْحام، وصلُّوا باللَّيل والنَّاس نيام، تدخلوا الجنَّة بسلام))[62].

فمن أوَّل يوم قدم فيه المدينة - صلى الله عليه وسلم - وهو يدعو الناس إلى إفشاء السلام، وإطعام الطعام، وصلة الأرحام، وكلها داخلة في حسن الخُلُق، وقد أمر بها قبل الأمر بصلاة الليل؛ ليبينَ أن حسن الخُلُق أهمّ، وأن أجر صاحبه أوفى وأتمّ؛ لأن نفعه متعدٍّ إلى غيره، وفيه من المصالح الدينية والدنيوية ما يفوق الحصر، وأمَّا الصَّلاة فإنَّها - على عظم شأنها - مقصور نفعها على صاحبها.

ولهذا لما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي الإسلام خير؟ قال: ((تطعم الطعام، وتقرأ السلام على مَن عرفت، ومن لم تعرف))[63].

وفي السؤال حذف تقديره: أي خصال الإسلام خير؟ أو أيُّ أهل الإسلام خير؟[64]، فماذا كان الجواب؟ إنَّه لم يقل: خيرهم أكثَرُهم صلاةً، أو صيامًا، أو قراءة قرآن، على أهمية ذلك كله، وعظم مكانته، وإنَّما بَيَّنَ أنَّ أفضلهم هو أحسنهم خُلُقًا، وأنفعهم لعباد الله قولاً وفعلاً، وعَبَّرَ عن الفعل بإطْعام الطَّعام، وعن القول بإفشاء السلام لكلِّ أحد، من عرفنا منهم، ومن لم نعرف.

ومما يؤكِّد لك ما سبق، ويدلُّك على عِظَم مكانة حُسْنِ الخلق: قولُه - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((إنَّ المؤمن ليدرك بِحُسن خلقِه درجة الصَّائم القائم))، وفي رواية لأحمد: ((درجة الصوَّام القوَّام))[65].

فالخلق الحسن، يبلغ بصاحبه من الأجر ورفعة المنزلة درجة الصائم الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر، فيا له من فضل كبير، وعطاء وفير، ينال بعمل يسير، والموفَّق مَن وَفَّقَه الله، والمحروم من حَرَمَه الله.

وبَيَّن - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّ أثقل ما يوضع في ميزان المؤمن يوم القيامة حسن الخلق؛ فعن أبي الدَّرداء - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ما من شيء أثقل في ميزان العَبْد المؤمن يوم القيامة من خُلُق حَسَن، وإنَّ الله يبغض الفاحش البذيء))[66].

وممَّا يدلُّ على فضل حسن الخُلُق: أنَّ الله - تعالى - كريم يحب الكرماء، جواد يحب الجَوَدة، رحيم يحب الرُّحماء، عفو يحب أهل العفو، بَرٌّ يحب أهل البر، عدل يحب أهل العدل، محسن يحب المحسنين، طيب يحب الطيبين، جميل يحب الجمال، وهو - سبحانه - صاحب الجلال والكمال، وله الأسماءُ الحسنى، والصفات العلا، ولهذا فلا غرو أن يحبَّ أهل الصفات العالية، والأخلاق السامية.

فعن سهل بن سعد السَّاعديِّ - رضِي الله عنْه - أنَّه سمِع النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يقول: ((إنَّ الله كريم يحبُّ الكرم، ويحب معاليَ الأخلاق، ويكره سفْسافَها))[67].

ومَن وُفِّقَ لحُسْن الخُلُق، فقد رُزق خيرًا عظيمًا، وأُكْرِم بنعمة لا تعدلها كنوز الدنيا بأسرها؛ فعن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أربعٌ إذا كنَّ فيك فلا عليْكَ ما فاتَك منَ الدنيا: حفظ أمانة، وصِدق حديث، وحسن خليقة، وعفَّة في طُهر))[68].

فيا لله للعجب! كيف يزهد كثيرٌ من الناس في هذه الفضائل؟! ويحرمون تلك الخيرات، ويفوِّتون على أنفسهم هذه العطايا الجزيلات، والمنازل الرفيعات؟!

وإنْ كان قد هالَكَ ما سبق، ودهشت من عِظم مكانة حسن الخلق، فماذا ستقول إذا علمت أنَّ أكمل المؤمنين إيمانًا، وأحسنهم إسلامًا، وأرفعهم مقامًا، وأتقاهم لله تعالى، وأحبهم إليه وإلى رسوله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - وأقربهم منه مجلسًا يوم القيامة - أحاسنهم أخلاقًا؟

فعن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في مجلس: ((ألا أُخْبِركم بأحبِّكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة؟))، ثلاث مرات يقولها، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((أحسنكم أخلاقًا))[69].

وعن جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وأن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة الثرثارون، والمتشدِّقون، والمتفيْهِقون))، قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: ((المتكبرون))[70].

والثرثار: هو كثير الكلام تكلفًا، والمتشدق: الذي يتطاول على الناس في الكلام ويبذو عليهم، والمتفيهق: أَصْله من الفَهْق، وهو الامْتِلاء، وهو الذي يملأ فمه بالكلام، ويتوسع فيه، ويأتي بالغرائب، تكبُّرًا وارتفاعًا، وإظهارًا لفضله على غيره[71].

فأحبُّ الخَلق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحظاهم بالقرب منه يوم القيامة، أحسنهم خُلُقًا، كما أنَّ أبغضهم إليه، وأبعدهم منه مجلسًا يوم القيامة ذوو الخلق السيئ، ووالله لو لم يكن في الدلالة على حسن الخُلُق وفضله، وشؤم سوء الخُلُق وذمه إلا هذا الحديث، لكان كافيًا.

وإذا كان أحب الخَلْق إلى رسول الله - عليه الصلاة والسلام - أحسنهم خلقًا، فإنه - قبل ذلك وفَوْقه - أحب إلى الله تعالى، وعمله هذا أحب الأعمال إليه.

فعن أسامة بن شريك - رضي الله عنه - قال: كنا جلوسًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - كأنما على رؤوسنا الطير، ما يَتَكَلَّم منَّا متكلِّم، إذ جاءه ناس من الأعراب، فقالوا: من أحبُّ عباد الله إلى الله؟ فقال: ((أحسنهم خُلُقًا))، وفي رواية عنه: ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: ((خلق حسن))[72].

وعن ابن عمر - رضي الله عنْهما - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أحبُّ النَّاس إلى الله أنفعهم للناس، وأحبُّ الأعْمال إلى الله - عزَّ وجلَّ - سرور تدخله على مسلم؛ تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا (في مسجد المدينة)، ومن كفَّ غضبه سَتَر اللهُ عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله - عز وجل - قلبه رضًا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يثبتها له، ثَبَّتَ الله - عز وجل - قدمه على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، وإن سوء الخُلُق ليفسد العمل، كما يفسد الخل العسل))[73].

فأحبُّ النَّاس إلى الله أنفعُهم لعباده، إمَّا بعِلْمه، أو جاهِه، أو ماله، أو بدنه وخدمته، أو نُصْرته ومواساته، أو دعائه ومشاعره، أو نصحه وإخلاصه، أو عطفه ورحمته، وأحبُّ الأعمال إلى الله إدخال السرور على المسلم، أو كشف كربته، أو قضاء دينه، أو إشباع جوعته.

وسعيُك في قضاء حاجة أخيك - سواءٌ قُضِيَت على يديْك أم لا - أفضلُ من الاعتِكاف شهرًا في المسجد النبوي، الذي تشدُّ إليْه الرحال، وتضاعف فيه الحَسَنات، وإذا قَضَيْت حاجته وأثبتها له، ثبت الله قدمك ويوم تزل الأقدام.

وإذا كففت غضبك سَتَرَ الله عورتك، وإذا كظمت غيظك مع قدرتك على إمضائه، ملأ الله قلبك رضًا يوم القيامة.

فيا سبحان الله! كل هذه الفضائل في حسن الخلق، ومع ذلك يحرمه كثير من الخلق، إما جهلاً بفضله، وإما تهاونًا بشأنه، واشتغالاً بالذي هو أدنى عن الذي هو خير، وإنه والله لا يحرم هذا الخير إلاَّ محروم، ولا يتهاون به إلا خاسِر مغبون.

وعن جابر بن سمرة، قال: كنتُ في مجلس فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبِي سمرة جالسٌ أمامي، فقال رُسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ الفحش والتفحُّش ليسا من الإسلام في شيء، وإنَّ أحسن الناس إسلامًا أحسنهم خُلُقًا))[74].

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا، وخياركم خياركم لنسائهم))[75].

فأحبُّ الناس إلى الله، وأكمل المؤمنين إيمانًا، وأحسنهم إسلامًا، ليس أكثرهم صلاة وصيامًا وحجًّا وذكْرًا، بل هو أحسنهم خلقًا، وأكثرهم إحسانًا وبرًّا.
وهذا ليس غضًّا من شأن نوافل العبادات من صلاةٍ وصيامٍ وحجٍّ وذكر، ولكن هذه الأعمال الصالحة إذا كانت بالمحل الذي لا يخفى من الدين، وهي من أحب الأعمال إلى ربِّ العالمين، فإنَّ حُسْنَ الخلق إذا صاحبَتْه النِّيَّة الصَّالحة، أعظم منها أجرًا، وأزكى عملاً، وأحب إلى الله.

ثمَّ إنَّ من حسن الخلق ما هو واجب محتم يأثم تاركه، وذلك كالعدل، وكف الأذى، وأداء الحقوق الواجبة، وهذه النوافل مستحبَّة مرغب فيها، والفرض أهم منَ النفل، وأعظم في الأجر، ولأهميته وعظيم أثره جعله الله فرضًا، ثمَّ بيَّن - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّ خير النَّاس وأفضلهم، هو خيرهم لأهلِه.

وفي حديث آخر، عَنْ عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((خيرُكم خيرُكم لأهلِه، وأنا خيرُكم لأهلي))[76].

وهذه شهادة مَن لا ينطق عن الهوى - صلَّى الله عليه وسلَّم - ووسام فخر يعلق على من كانت هذه صفته، وتاج كرامة يوضع على رأسه، وهو علامة بينة يعرف من خلالها مقدار خيرية الإنسان، ومكانته عند ربه.

وقد خصَّ الأهل بالذِّكْر هنا؛ لأنَّ حقهم على الإنسان أكبر وأعظم، وملابسته لهم أكثر وأدوم، وحاجته إلى معاملتهم بالحسنى أوْكد وألزم، وليس هذا خاصًّا بهم، بل هو عام لكل أحد، فخير الناس وأفضلهم هو أحسنهم خلقًا، فعن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: ((لم يكنْ رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فاحشًا ولا متفحِّشًا، وإنَّه كان يقول: إن خيارَكم أحاسنكم أخلاقًا))[77].

قال العلاَّمة الشوكاني[78]: قوله: ((وخياركم خياركم لنسائهم))، وكذلك قوله في الحديث الآخر: ((خيرُكم خيركم لأهله)) في ذلك تنبيهٌ على أن أعلى الناس رتبة في الخير، وأحقهم بالاتصاف به هو مَن كان خير الناس لأهله، فإنَّ الأهل هم الأحقَّاء بالبِشْر وحسن الخلق والإحسان وجلْب النفع ودفع الضر، فإذا كان الرَّجل كذلك فهو خير الناس، وإن كان على العكس من ذلك فهو في الجانب الآخر من الشر.

وكثيرًا ما يقع الناس في هذه الورطة، فترى الرجل إذا لقي أهله كان أسوأ الناس أخلاقًا، وأشحَّهم نفسًا، وأقلهم خيرًا، وإذا لقي غير الأهل من الأجانب لانت عريكته، وانبسطت أخلاقه، وجادت نفسه، وكثر خيره، ولا شك أن من كان كذلك فهو محروم التوفيق، زائغ عن سواء الطريق، نسأل الله السلامة.

وبالإضافة لما سبق، فإنَّ حسن الخلق سبب لمحبَّة الخلق، وبسط الرزق، وزيادة العمر، والبركة في الأوقات، والذكر الحسن في الحياة وبعد الممات.

يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((صلة الرَّحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار، يعمِّران الديار، ويزيدان في الأعمار))[79]، وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((مَن أحبَّ أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه))[80].

وأما أثره في كسب محبة الناس واحترامهم، واستدرار مودتهم وتقديرهم، والوقاية من ظلمهم وعدوانهم، بل وتحويل العدو الكاشح منهم إلى صديق حميم، فأمر لا يختلف عليه اثنان، ولا يخفى على ذي عينين، ويكفي في الدلالة على ذلك قول الحق - تبارك وتعالى-: {وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}[81].

فإذا كان هذا هو أثر حسن الخلق مع العدو المبغض، فكيف إذًا سيكون أثره في الصديق المحب؟!

فمَن كان ذا خُلق كريم، مع نيَّة صالحة، وقصدٍ حسن، فقد وُفِّق لخيرَيِ الدنيا والآخرةِ، وفاز بمحبة الله - تعالى - ومحبة عباده، وكان هذا دليلاً على سداده وكمال عقله، ورفعة منزلته وسمو نفسه، وكان له قصب السبق، ولسان الصدق، وكان أهلاً للمدح والثناء، والمثوبة وحسن الجزاء.

ولأجل هذا كله؛ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي شهد له ربُّه بحُسن الخلق - يدعو ربَّه بأن يوفقه للمزيد من هذا الخير ويعينه عليه، ولولا أنه مما يحبه الله - تعالى - ويقرِّب إليه، لما دعا بالمزيد منه.

ومن ذلك قوله - عليْه الصَّلاة والسَّلام -: ((اللهم كما حسَّنت خَلْقي فحسِّن خُلُقي))[82]، وقوله: ((اللهم اهدني لأحسن الأعمال والأخلاق، لا يهدي لأحسنِها إلا أنت، واصرفْ عني سيئَ الأخلاق والأعمال، لا يصرف عني سيِّئها إلا أنت))[83].

وكان - أيضًا - يدعو ربه بأن يعيذه من سيئ الأخلاق، ومنكرات الأعمال، فيقول: ((اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأعمال والأخلاق، والأهواء والأدواء))[84].

وإذا كان يفعل هذا - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو أحسنُ النَّاس خُلقًا، فغيرُه إلى هذا الدُّعاء أحوج، والإكْثار منه في حقِّهم أوكد.

وهذا الدُّعاء منه - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يدلُّ على أنَّ حسن الخلق، وإن كان أصله فطريًّا غريزيًّا، وجبلَّة يطبع اللهُ عليْها مَن يشاء مِن عباده، إلاَّ أنَّه يمكن اكتسابُه وتحصيله، بإدراك أهمِّيته والحرص عليه، وممارسته وترْويض النَّفس عليه، والإلحاح على الله - تعالى - بطلبه والظفر به.

ويؤكِّد على أنَّ حسن الخلق منه ما هو طبعٌ جبلي، ومنه ما هو تطبُّع كسبي - قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم - لأشجِّ عبدالقيس[85]: ((إنَّ فِيكَ خلَّتَيْنِ يُحِبُّهُما اللَّهُ: الحِلْمُ والأَنَاةُ))[86]، قال: يا رسول الله أنا أتَخَلَّقُ بهما أمِ اللهُ جَبَلَنِي عليهما؟ قال : ((بل اللهُ جَبَلَكَ عليهما))، قال: الحمد الله الذي جَبَلَنِي على خلَّتين يُحِبُّهُمَا اللهُ ورسوله.

وفي رواية: قال: يا رسولَ الله، قديمًا كانا فيَّ أو حديثًا؟ قال: ((قديمًا))، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما[87].

فدلَّ الحديث على أن حُسن الخلق منه ما هو غريزي، وطبع كامن في النفس، وهو أحسنه وأكمله، وأيسره على صاحبه، ومنه ما هو كسبي يحصل بالترويض والمجاهدة، والإلحاح بالدعاء، وحسن الاقتداء.

قال ابن حجر: "فترديدُه السؤال، وتقريرُه عليه، يُشعِر بأنَّ في الخلق ما هو جبلي، وما هو مكتسَب"[88].

وقال النَّووي: ":وحكى الطبري خلافًا للسلف في حسن الخلق: هل هو غريزة أم مكتسب؟ قال القاضي: والصَّحيح أن منه ما هو غريزة، ومنه ما يكتسب بالتخلُّق والاقتداء بغيره"[89].

ونقل ابنُ حجرٍ عنِ القُرْطبي قولَه: "الخلق جبلَّة في نوع الإنسان، وهم في ذلك متفاوتون، فمَن غلب عليه شيءٌ منها، إن كان محمودًا، وإلا فهو مأمور بالمجاهدة فيه، حتى يصير محمودًا، وكذا إن كان ضعيفًا، فيرتاض صاحبه حتَّى يقوى"[90].

ويدلُّ كذلك على أنَّ حسن الخلق يمكن اكتسابُه، قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما بُعثتُ لأتمِّمَ صالح الأخلاق))، وفي رواية: ((مكارم الأخلاق))[91].

فلو كان حسن الخلق غريزيًّا فقط، لما كان لسعيه - صلى الله عليه وسلم - لإتمام صالح الأخلاق معنًى، كيف وقد بعث - صلى الله عليه وسلم - في قومٍ كانت لهم أخلاق فاسدة، وعادات جاهلية منكرة، من شرب الخمر، ومقارفة الزنا، والإسراف في القتل، ونكاح زوجة الأب، والجمع بين الأختين، ونكاح الاستبضاع، وحرمان الإناث من الميراث، وإعانة القرابة على الظلم والعدوان بدافع العصبية وحَميَّة الجاهلية، وغير ذلك من الأخلاق والعادات الفاسدة، فما زال - صلى الله عليه وسلم - يرقِّيهم في مصاعد الكمال، ويربِّيهم على محاسن الأخلاق والأعمال، وكريم الشمائل والخصال، حتى بلغوا الغاية في ذلك، وصاروا مثالاً يحتذى في الاستقامة وحسن الخلق.

وكان - عليه الصلاة والسلام - يقول: ((إنَّما العِلْم بالتعلُّم، وإنَّما الحِلْم بالتحلُّم، ومَن يتحرَّ الخير يُعطَه، ومن يتَّقِ الشَّرَّ يوقَه))[92].

فكما أنَّ العلم يَحتاج في تحصيله إلى صبرٍ ومُجاهدة، فكذلك الأخلاق الحسنة يحتاج في كسبها إلى لجم النفس عن أهوائها، وحملها على ما يَجمُل بها ويزينها، من أنواع الأخلاق الفاضلة، والصفات الكريمة العالية، ولكل مجتهد نصيب، {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ}[93].



ـــــــــــــــــــ

[1] سورة الذاريات؛ الآية: 56.
[2] سورة الأنعام؛ الآيتان: 162- 163.
[3] سورة الإنسان؛ الآية: 2.
[4] سورة الأنبياء؛ الآية: 35.
[5] سورة الأنعام؛ الآية: 132.
[6] سورة آل عمران؛ الآية: 163.
[7] سورة الفرقان؛ الآية: 20.
[8] سورة الأنعام؛ الآية: 53.
[9] سورة الأنفال؛ الآية: 28.
[10] سورة محمد؛ الآية: 4.
[11] رواه أبو داود (4682)، والترمذي (1162)، وأحمد (7396، 10110، 10829)، والدارمي (2792)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20572)، وابن حبان (479، 4176)، والحاكم (1، 2) وصححه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
[12] سورة الإسراء؛ الآية: 23.
[13] سورة الإسراء؛ الآية: 26.
[14] سورة النساء؛ الآية: 36.
[15] سورة البقرة؛ الآية: 83.
[16] سورة البقرة؛ الآية: 83.
[17] سورة الممتحنة؛ الآية: 8.
[18] رواه الترمذي (1977)، وأحمد (3839)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (10580)، والطبراني في "المعجم الكبير" (10483)، وأبو يعلى (5088)، وابن حبان (192)، والحاكم (29) وصححه، وقال الترمذي: حديث حسن.
[19] صحيح البخاري (5678)، وصحيح مسلم (2165).
[20] مسند أحمد (13555، 24895)، وصحيح ابن خزيمة (547).
[21] رواه أبو يعلى (6550)، والحاكم (428)، وصححه، ونسبه ابن حجر إلى البزار، وحسن إسناده، فتح الباري 10/459.
[22] سورة البقرة؛ الآية: 83.
[23] انظر: تفسير ابن كثير 1/172، وتفسير السعدي ص39.
[24] سورة الأعراف؛ الآية: 199.
[25] تفسير القرطبي 7/345.
[26] انظر:" تفسير الطبري" 9/104، و"مدارج السالكين" 2/304 - 305.
[27] "أحكام القرآن" 2/826.
[28] "زاد المهاجر إلى ربه" ص75 - 76.
[29] سورة آل عمران؛ الآية: 159.
[30] صحيح البخاري (57)، وصحيح مسلم (56).
[31] رواه الترمذي (1987)، وأحمد (21392، 21441، 21576)، والدارمي (2791)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قلت: وله شاهد من حديث معاذ، رواه أحمد (22039، 22112)، والطبراني في "المعجم الصغير" (530، و"المعجم الكبير" (269، 297).
[32] "جامع العلوم والحِكَم" 1/454.
[33] رواه مسلم (2581).
[34] شرح النووي على صحيح مسلم (16/135- 136).
[35] سيأتي الحديث بتمامه (ص19).
[36] الأثوار، بالثاء: جمع ثور، وهي قطعة من الأقط، والأقط - بفتح الهمزة وكسر القاف وبضمها أيضًا، وبكسر الهمزة والقاف معًا وبفتحهما: هو شيء يتخذ من مخيض لبن الأغنام. "الترغيب والترهيب" 3/242.
[37] رواه أحمد (9673)، وابن حبان (5764)، والبخاري في "الأدب المفرد" (119)، والحاكم (7304، 7305)، وقال: صحيح الإسناد، ووافَقَهُ الذَّهَبي: وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (3/242): "رواه أحمد، والبزار، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة بإسناد صحيح أيضًا".
[38] سورة آل عمران؛ الآيتان: 133 - 134.
[39] انظر: "جامع العلوم والحكم" 1/412.
[40] سورة المؤمنون، الآيات: 1-11.
[41] سورة القلم؛ الآية: 4.
[42] رواه البخاري (5850)، ومسلم (2150).
[43] رواه البخاري (5691)، ومسلم (2309).
[44] سنن أبي داود (4774).
[45] رواه مسلم (2328).
[46] رواه البخاري (3367)، ومسلم (2327).
[47] سورة الأحزاب؛ الآية: 21.
[48] رواه الترمذي (2004)، وابن ماجه (4246)، وأحمد (9085)، وابن حبان (476)، والحاكم (7919)، وقال: صحيح الإسناد، وصححه الترمذي.
[49] الزعيم: الضامن.
[50] قال المباركفوري في "تحفة الأحوذي" قال في "النهاية": هو بفتح الباء ما حولها خارجًا عنها تشبيهًا بالأبنية التي تكون حول المدن، وتحت القلاع. انتهى، وقال القاري في "المرقاة": أي: نواحيها وجوانبها من داخلها ولا من خارجها، وأمَّا قول الشارح: هو ما حولها خارجًا عنها تشبيهًا بالأبنية التي حول المدن وتحت القلاع، فهو صريح اللغة؛ لكنَّه غير صحيح المعنى، فإنه خلاف المنقول، ويؤدِّي إلى المنزلة بين المنزلتين حسًّا كما قاله المعتزلة معنى.
[51] المراء: الجدال.
[52] رواه أبو داود (4800)، والترمذي (1993)، والنسائي (3133)، وابن ماجه (51)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20965)، والطبراني في "المعجم الصغير" (805)، و"الأوسط" (882)، و"الكبير" (7488)، وصححه ابن حبان: (4619)، وحسنه التِّرمذي.
[53] "إحياء علوم الدين" 3/114.
[54] رواه مسلم (2865).
[55] رواه التِّرمذي (2488)، وأحمد (3938)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20595)، وأبو يعلى (1853)، والطبراني في "المعجم الكبير" (10652)، وابن حبان (469، 470)، والحاكم (435)، وصححه، وحسنه الترمذي.
[56] شرح النووي على صحيح مسلم 17/199.
[57] رواه مسلم (2865).
[58] المصدر السابق: 17/199.
[59] قال النَّووي في "شرح صحيح مسلم" 17/199: "هي في أكثر النسخ: (أو الكذب) بـ(أو)، وفى بعضها والكذب بـ (الواو)، والأول هو المشهور في نسخ بلادنا، وقال القاضي: روايتنا عن جميع شيوخنا بـ (الواو)، إلاَّ ابن أبى جعفر عن الطبري فبـ (أو)، وقال بعض الشيوخ: ولعلَّه الصواب، وبه تكون المذكورات خمسة.
[60] المصدر السابق: 17/200.
[61] رواه أحمد (6615)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8262)، والحاكم (270، 1200)، وقال: هذا حديث صحيح، قلتُ: وللحديث شاهدٌ من حديث أبي مالك الأشعري، رواه أحمد (22956)، والطبراني في "المعجم الكبير" (3466، 3467)، وابن حبان (509)، وشاهد آخر من حديث علي، رواه الترمذي (2527، 1984)، وأحمد (1337)، وأبو يعلى (428، 438)، وحَسَّنَه الألباني في صحيح "سنن الترمذي" (2051).
[62] رواه الترمذي (2485)، وابن ماجه (1334، 3251)، وأحمد (23835)، والدارمي (1460، 2632)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (4422)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (4510)، والحاكم (4283)، وصححه. وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح "سنن الترمذي" (2019).
[63] رواه البخاري (12)، ومسلم (39).
[64] قال ابن حجر في "الفتح" 1/55: "والتقدير الثاني أوْلى، ويؤيِّده رواية مسلم: أي المسلمين أفضل؟".
[65] رواه أبو داود (4798)، ومالك (1607)، وأحمد (24400، 24639، 7052)، (6648، 25057، 25578)، وأبو يعلى (4166)، والطبراني في "المعجم الكبير" (7709)، وابن حبان (480)، والحاكم (199، 200)، وصححه.
[66] رواه أبو داود (4799)، والترمذي (2002)، وأحمد (27536، 27557)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20587)، والطبراني في "المعجم الكبير" (653)، و"الصغير" (550)، وابن حبان (5693، 5965)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
[67] رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (5928)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20570)، والحاكم (151، 152)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناديْن جميعًا، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير" (1797)، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة (1378، 1627)، وذكر له شواهد عديدة، منها حديث سعد بن أبي وقاص بلفظ: ((إن الله كريم يحب الكرماء، جواد يحب الجَوَدة، يحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها)).
[68] رواه أحمد (6652)، والحاكم (7876)، وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" 3/365، رواه أحمد وابن أبي الدنيا والطبراني والبيهقي بأسانيد حسنة.
[69] رواه أحمد (7035)، وابن حبان (485).
[70] رواه الترمذي (2015)، وحسنه، وللحديث شواهد من حديث أبي ثعلبة الخشني، وأبي هريرة، وعبدالله بن عمرو، - رضي الله عنهم.
[71] انظر: "سنن الترمذي" 4/370، و"رياض الصالحين" ص264، وتعليقات ابن القيم على "تهذيب السنن".
[72] رواه أحمد 4/278، والطبراني في "الأوسط" (6380)، وابن حبان (486)، والحاكم (8214)، وصححه، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/24: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح"، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير" (177)، وفي "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (432).
[73] رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (13646)، و"المعجم الأوسط" (6036)، و"المعجم الصغير" (861)، وابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" ص80، وحَسَّنَه الألباني في "صحيح الجامع الصغير" (174)، وفي "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (903).
[74] رواه أحمد (20863)، والطبراني في "المعجم الكبير" (2072)، وأبو يعلى (7486)، وابن أبي شيبة (25316)، وقال ابن حجر في "الفتح" (10/458): "رواه أحمد بسند رجاله ثقات، وكذا قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (3/275).
[75] رواه أبو داود (4682)، والترمذي (1162)، وأحمد (7396، 10110، 10829)، والدرامي (2792)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20572)، وابن حبان (479، 4176)، والحاكم (1، 2)، وصححه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
[76] رواه الترمذي (3895)، وابن ماجه (1977)، والدارمي (2260)، وابن حبان (4177)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[77] رواه البخاري (5688)، ومسلم (4285).
[78] نيل الأوطار 7/406.
[79] رواه أحمد (24098)، وقال ابن حجر في الفتح 10/415، ورجاله ثقات، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير" (3661)، وفي "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (518).
[80] رواه البخاري (1961)، ومسلم (2557).
[81] سورة فصلت؛ الآيتان: 34 - 35.
[82] رواه أحمد (3823، 24437، 25262)، وأبو يعلى (5075، 5181)، والطيالسي (374)، وابن حبان (959)، وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" 3/275: رواه أحمد، ورواته ثقات، وحسنه السيوطي في "الجامع الصغير" (1485)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير" (1318).
[83] رواه مسلم (771).
[84] رواه الترمذي (3591)، وابن أبي شيبة (29594)، وابن حبان (960)، والحاكم (1949)، وقال: صحيح الإسناد، وحسنه الترمذي، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير" (1309).
[85] قال النووي في "شرحه على صحيح مسلم" 1/189: "أما الأشج، فاسمه المنذر بن عائذ - بالذال المعجمة - العَصَري - بفتح العين والصاد المهملتين - هذا هو الصحيح المشهور الذي قاله ابن عبدالبر والأكثرون".
[86] الحلم: العقل، وأما الأناة، فهي التثبت وترك العجلة؛ قاله النووي في "شرح صحيح مسلم" 1/189.
[87] رواه مسلم (17)، وأبو داود (5225)، والترمذي (2011)، وابن ماجه (4188)، وأحمد (17862).
[88] "فتح الباري" 10/459.
[89] "شرح النووي على صحيح مسلم" 15/27.
[90] "فتح الباري" 10/459، وانظر نحوه في "غذاء الألباب" 1/368.
[91] رواه مالك (1609)، وأحمد (8939)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (20571، 10572)، والحاكم (4221)، وقال: هذا حديث صحيح، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير" (2345)، وفي "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (45).
[92] رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (2663)، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع الصغير" (2324)، وفي "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (342).
[93] سورة المطففين، الآية: 26.

نشر بتاريخ 10-06-2009  


أضف تقييمك

التقييم: 4.52/10 (2012 صوت)


 


Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
تصميم مصمم مواقع عبدالله Copyright © 2008 www.mettleofmuslem.net - All rights reserved


المقالات | مواضيع مهمة | الصوتيات | المنتديات | الرئيسية