• ×

11:03 صباحًا , الأربعاء 20 فبراير 2019

الخلفاء

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أما بعد، فاتقوا الله ـ إخوة الإيمان رحمكم الله ـ. أيها المسلمون، الأمم والشعوب كما تحقق العز والمجد يمسها الضعف والهوان، وتاريخ الإسلام ليس مجرد أحداث مدونة ووقائع مسجلة، ولكنه عقيدة الأمة ودينها ومقياسها وميزانها وعظتها واستكبارها والتاريخ هو الكنز الذي يحفظ مدخرات الأمة في الفكر والثقافة والعلم والتجربة، وهو الذي يمدها ـ بإذن الله ـ بالحكم التي تحتاجها في مسيرة الزمن وتقلّبِ الأحداث. والأمة التي لا تحسن فقه تأريخها، ولا تحفظ حق رجالها أمة ضعيفة هزيلة مضيعة لمعالم طريقها.
إخوة الإيمان، نقف اليوم بكم مع رجل لا كالرجال, وفذ لا كالأفذاذ, يكفيه أنه صاحب رسول الله المقدَّم، إنه عظيم القدر رفيع المنزلة، نصر الرسول يوم خذله الناس، وآمن به يوم كفر به الناس، وصدقه يوم كذبه الناس، جَِهل فعله الكثير من أبناء المسلمين، ولم يقدره قدره بعض أجيالنا ورجالنا ومثقفينا وكتابنا, يعرفون عن مغنية أو مغنًّ أو لا عب رياضي أو ساقط أو ساقطة، أكثر مما يعرفون عن هذا العَلمَ، إنه أفضل الصحابة، ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على خير منه، إنه من وُِزن إيمانه بإيمان الأمة فرجح إيمانه، لم يُؤْثر عنه أنه شرب خمرا قط، ولم يُْؤثر عنه أنه سجد لصنم قط، ولم يتعامل بربا قط، ولم يُؤْثر عنه كذب قط، إنه من لا يخفى،فهو أبو بكر الصديق وأرضاه، ولعن الله من أبغضه وعاداه من الرافضة والباطنية والضلال، نقف بكم اليوم على شيء من خبره وفيض من سيره، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى سير أمثال هؤلاء، والحال في الغالب قد تسر العدو وتحزن الصديق، ولنعلم أنه يوم تدارى أمثال هذا الرجل ظهر الفساد، وتطاول الأقزام، ونطق الرويبضة، وضيعت الأمانة.
روى ابن كثير في سيرته: عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: (لما اجتمع أصحاب رسول الله ألح أبو بكر على رسول الله في الظهور وعدم الاختفاء، فقال : يا أبا بكر إنا قليل فلم يزل أبو بكر يلح حتى وافقه على ذلك، وظهر رسول الله والمسلمون، وتفرقوا في نواحي المسجد وقام أبو بكر خطيبا في الناس فكان أول خطيب دعا إلى الله، وثار عليه المشركون وثاروا على المسلمين معه، وضربوا أبا بكر ضربا شديدا حتى أن عتبة بن ربيعة دنا منه فجعل يضرب وجهه بنعلين مخصوفتين، ثم ينزو على بطنه حتى ما يعرف وجهه من أنفه وجاء بنو تيم قوم أبي بكر وأجلوا عنه المشركين، وقالوا: لئن مات لنقتلن عتبة ثأرا لأبي بكر، وأبو بكر مغمى عليه لا يتكلم بكلمة، رجع إليه قومه ليكلموه، فما تكلم إلا آخر النهار، فماذا قال ؟ لقد قال: ما فعل رسول الله ؟ هذا همه الذي يشغله حتى عن نفسه وراحت أمه تلح عليه أن يطعم شيئا وهو يقول: ما فعل رسول الله ، فتقول: والله يا بني ما لي علم بصاحبك، فيقول لها: اذهبي إلى أم جميل فاطمة بنت الخطاب فسليها، فخرجت إليها: فقالت: إن ابني يسأل عن محمد، فقالت لها أم جميل: أتحبين أن أذهب معك إلى ابنك، تريد سرية الأمر، فقالت: نعم، فمضت إلى أبي بكر فوجدته صريعا، فقالت: والله إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم، فيقول أبو بكر مرددا: ما فعل رسول الله ، فقالت: إنه سالم صالح، فقال: أين هو ؟ فقالت: في دار ابن الأرقم، قال: فإن لله علي أن لا أذوق طعاما ولا شرابا، حتى آتي رسول الله ، فانتظروا حتى سكن الناس، ثم خرجت أمه وأم جميل يتكأ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله ، فلما رآه عليه الصلاة والسلام قبله وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله رقة شديدة لما يرى منه، فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي ليس بي من بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، ثم قال:يا رسول الله هذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك فادع الله لها وادعها إلى الله، فدعاها ودعا لها رسول الله ، فشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) [1]، وهذا من أعظم البر.. .
هذا موقفه، وهذه تضحيته في سبيل الله، الذي به علا شأنه، وارتفعت مكانته، وأبو بكر كان السبب في دخول الكثير في الإسلام منهم ستة من العشرة المبشرين: عثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة رضي الله عنهم.
وهو من أعتق عشرين من الصحابة من ربقة العبودية، الذين كانوا يعذبون بأشد أنواع العذاب وأقساه، وأنفق في ذلك أربعين ألف دينار، هي كل تجارته، ليحقق معنى الجسد الواحد، الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
ثم إلى وقفة أخرى مع الصديق حينما أسُري وعرج بالنبي في حادثة ومعجزة غريبة لم يعتدها مشركو قريش، بل لقد تأثر بعض ضعاف المسلمين وُِفتن بأن كَذَّب بالإسراء والمعراج، وحصوله في ليلة واحدة، فيذهب بعضهم إلى أبي بكر يريدون زعزعة عقيدته وإيمانه، فيخبرونه الخبر فوقف أمامهم ثابتا، وهو يقول: (إن كان قال فقد صدق الآن..) [2]، واستحق أبو بكر أن يلقب بالصديق.
أما حديثه في الهجرة فهو الحديث الذي لا ينقضي منه العجب، هل أحدثكم عن رغبته الملحة بمرافقة النبي ، وإعداده لهذه الرحلة وتربية أولاده لخدمة الدعوة في هذه الرحلة، أم أحدثكم عن فرحته العارمة حينما أذن الله لنبيه بالهجرة، وصحبته معه حتى أن فرحته هذه أبكته، كما تقول عائشة رضي الله عنها في حديث البخاري: (ما علمت الرجل يبكي من شدة الفرح إلا يومئذ حينما رأيت أبي يبكي من شدة الفرح) [3]، ترى هل كان فرحه لمرافقة النبي لنزهة صيفية؟، لا إنها رحلة إلى عمق الأخطار، حيث قريش تبذل مائة ناقة لمن يأتي برأس أحدهما، أم أخبركم عن محافظته على النبي في هذه الرحلة حين كان يمشي أمامه تارة ثم يرجع خلفه ثم يذهب يمينا ثم شمالا، فيسائله رسول الله عن ذلك فيقول: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إذا تذكرت الرصد تقدمت، وإذا تذكرت الطلب تأخرت، فدعا له النبي بخير وقبل دخول الغار، يدخل أبو بكر ليتفقد الغار من الحشرات الضارة ويسد خروق الغار، بيديه ورجله حفاظا على النبي [4].
إنها التضحية والفداء في سبيل نماء هذه الدعوة، وظهورها، فبذل أبو بكر والصحابة معه كل قدراتهم في سبيل ذلك فأين نحن من هذا ؟! أين دورنا مع الدعوة إلى الله ؟! أين دفاعنا عن الدعاة والعلماء والذب عن أعراضهم ؟!.
أيها الإخوة المؤمنون، أما وقفتنا التالية مع أبي بكر الصديق y فهي تبين لنا مكانته عند النبي ، أخرج البخاري عن أبي الدرداء قال: (كنت جالسا عند رسول الله ، إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى ركبته، فلما رآه قال: أما صاحبكم فقد غامر، أي وقع في هول وخطر، فأقبل حتى سلم على رسول الله ثم قال: يا رسول الله: إنه كان بيني وبين عمر شيء فأسرعت إليه أي أخطأت عليه ثم إني ندمت على ماكان مني فسألته أن يغفر لي، فأبى علي، فتبعته البقيع كله حتى تحرز بداره مني، وأقبلت إليك يا رسول الله ؛ فيقول : ((يغفر الله لك يا أبا بكر يغفر الله لك يا أبا بكر))، ثم ندم عمر حين سأله أن يغفر له فلم يصفح عنه فخرج يبحث عنه، حتى أتى منزل أبي بكر، فسأل هل ثمَّ أبو بكر، فقالوا: لا نعلم، فعلم أنه عند رسول الله فأقبل إلى رسول الله ، حتى إذا سلم فجعل وجه النبي يتمعر حتى أشفق أبو بكر أن يكون من رسول الله إلى عمر ما يكره فجثا أبو بكر على ركبتيه، وقال: يا رسول الله، كنتُ أظلم كنتُ أظلم، فيقول - مبينا مكانة أبي بكر ((إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي ؟! فهل أنتم تاركون لي صاحبي ؟! )) فما أوذي الصديق بعدها أبدا [5].
أما بذل الصديق وعطاؤه، فيصفه لنا عمر بن الخطاب فيقول: كما روى الترمذي بسند حسن: (ندب النبي وسلم للصدقة ذات يوم فوافق ذلك مالا عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر ولم أكن أسبقه في شيء طول الدهر، فجئت بنصف مالي فتصدقت به، فقال : ما أبقيت لأهلك، قال عمر: أبقيت لهم مثله، ويأتي أبو بكر بكل ماله لم يبق قليلا ولا كثيرا، فيقول له رسول الله : ما أبقيت لأهلك، قال: أبقيت لهم الله ورسوله !! فيقول عمر: فقلت في نفسي والله لا أسابقك إلى شيء بعد اليوم أبدا) [6].
وروى الإمام أحمد أن النبي قال: ((أتاني جبريل فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي))، فقال أبو بكر وددت يا رسول الله أني معك حتى أنظر إليه، فقال له عليه الصلاة والسلام: ((أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي)) [7].
هذه مواقف أبي بكر، هذه تضحياته، هذا فضله. أما حاله حين ولي الخلافة، حين ولي مقاليد الأمة، فهو الحال الذي تفتقده أمة الإسلام اليوم في ولاتها وحكامها، وجدير بكل من ولي من أمر المسلمين شيئا أن يتأمل سيرته وحاله في ولايته، أرأيتم خطبته حين تولى فماذا قال؟!
(أيها الناس إني قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، الضعيف فيكم قوي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، لا يدع قوم الجهاد إلا خذلهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيتهما فلا طاعة لي عليكم) [8] هذا هو دستور أبي بكر في خلافته وولايته، فهل كانت هذه خطبة رنانة، وأقوالا فضفاضة، كالتي تنشر على شعوب الإسلام اليوم ولا يطبق حرف؟ هل كان قوله هذا غشا أو تجارة أو دعوة لانتخابه فقط؟ لا؛ إنه أبو بكر، إنه الصديق.
أول ما عمل أن سير جيش أسامة الذي ندبه النبي فأرهب به الروم والعرب، ثم قام بحرب المرتدين، وما تهاون معهم بل قال: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ؟ والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه للنبي لقاتلتهم عليه) [9]، روي في السير عن عمر بن الخطاب قال: (كنت أفتقد أبا بكر أيام خلافته ما بين فترة وأخرى، فلحقته يوما فإذا هو بظاهر المدينة أي خارجها قد خرج متسللا، فأدركته وقد دخل بيتا حقيرا في ضواحي المدينة، فمكث هناك مدة، ثم خرج وعاد إلى المدينة، فقلت لأدخلن هذا البيت فدخلت فإذا امرأة عجوز عمياء، وحولها صبية صغار، فقلت: يرحمك الله يا أمة الله من هذا الرجل الذي خرج منكم الآن؟ فقالت: أنه ليتردد علينا حينا، والله إني لا أعرفه، فقلت: فما يفعل ؟ فقالت: إنه يأتي إلينا فيكنس دارنا، ويطبخ عشاءنا، وينظف قدورنا، ويجلب لنا الماء، ثم يذهب، فبكى عمر حينذاك، وقال: الله أكبر والله لقد أتعبت من بعدك يا أبكر) [10].
إننا إخوة الإيمان، تحت ضغط الحياة المادية نعتبر هذا الكلام نسج خيال، ولكنه الإيمان الذي وقر في قلوب أصحاب النبي فحولوه من أقوال إلى أعمال ومن آيات تتلى وتحفظ إلى أحكام تطبق ويعمل بها.
هذه جهود أبي بكر في الإسلام وهذا عمله، وهذه ولايته، ولذلك فقد استحق عن جدارة قول النبي فيما رواه الترمذي: ((ما من صاحب يد إلا وقد كافأناه عليها إلا أبا بكر فإن له عند الله يدا يكافئه بها يوم القيامة )) [11]، وختم حياته أبا بكر عنه بالمسك بأن ولي عمر بن الخطاب الخلافة بعده فكانت خلافته عزًا وقوة للإسلام، وأوصى أبو بكر في حال موته، فقال: \"أما قد ولينا أمر المسلمين فلم نأكل درهما، ولا دينارا، ولُكْنا خشن طعامهم في بطوننا، ولبسنا خشن ثيابهم على ظهورنا، وليس عندنا شيء من فيء المسلمين، فانظروا ما زاد من مالي فابعثوا به إلى الخليفة من بعدي \"، فما تَرِكتُه يا ترى؟ ما تركة من كانت ميزانية الأمة تحت يديه ؟ لقد خلف عبدا حبشيا وبعيرا كان يسقي عليه وعباءة لا تساوي خمسة دراهم، فلما بعثوا بها إلى عمر بكى حين رآها حتى سالت دموعه، وقال: (رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده) [12].
نعم رحم الله أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا وسائر صحابة رسول الله لقد ودع الصديق الأمة بعد أن جعل من نفسه مثلا للداعية والمجاهد والعابد والزاهد والخليفة والوالي.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاّوْلِى ٱلالْبَـٰبِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء وَهُدًى وَرَحْمَةً لْقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ .[يوسف:111]
1] البداية والنهاية لابن كثير (3/29 ـ 30).
[2] أخرجه الحاكم في المستدرك (3/62 ـ 63) وصححه ووافقه الذهبي.
[3] هذه اللفظة ليست في حديث البخاري، وانظر القصة في صحيح البخاري (3906)، وقول عائشة هذا أخرجه ابن إسحاق في سيرته (سيرة ابن هشام 2/485)، وراجع فتح الباري (7/235).
[4] أخرجه الحاكم (3/6) وقال: صحيح على شرط الشيخين لولا إرسال فيه. ووافقه الذهبي.
[5] صحيح البخاري (3661).
[6] سنن الترمذي (3675) وقال: حسن صحيح.
[7] لم أجده في مسند أحمد، وأخرجه أبو داود (4652)، قال الألباني: إسناده ضعيف. مشكاة المصابيح (6024).
[8] سيرة ابن هشام (4/661).
[9] أخرجه البخاري (1400) ومسلم (20).
[10] أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق، كما ذكر ذلك السيوطي في تاريخ الخلفاء (1/78) بنحوه.
[11] سنن الترمذي (3661)، وصححه الألباني. صحيح الترمذي (2894).
[12] انظر تاريخ الخلفاء للسيوطي (1/78).


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت

أيها الناس:
نتكلم اليوم عن ((شهيد المحراب))، من هو شهيد المحراب؟ ولماذا قتل؟ وكيف قتل؟ وأين قتل؟ ومن قتله؟
الزمن: صلاة الفجر.
المكان: مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام.
المقتول: عمر بن الخطاب .
القاتل: أبو لؤلؤة المجوسي لعنه الله.
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضلٍ وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين [آل عمران:169-171].
أيها المسلمون:
من منكم لا يعرف عمر؟ مَنْ مِن الناس لم يسمع بعمر؟
السلام عليك يا عمر بن الخطاب في يوم الجمعة.
السلام عليك في هذه الساعة المباركة.
السلام عليك يوم أسلمت.
السلام عليك يوم توليت.
السلام عليك يوم قتلت.
السلام عليك يوم تبعث حياً.
ترى ثياب الموت حمراً فما أتى لها الليل إلا وهي من سندسٍ خضر
فوا طاهر الأردان لم تبق بقعة غداة ثـوى إلا اشتهت أنهـا قبـر
فتـى كلما فاضت عيون قبيلة دماً ضحكت عنه الأحاديث والذكـر
الرسول عليه الصلاة والسلام يفسر ثلاث رؤىً رآها في المنام، كلها لأبي حفص وكلها صحيحة كالشمس.
الأولى: قال : ((بينا أنا نائم، رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعُرض عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره))، قالوا: فما أوّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: ((الدين)) [1].
دينه يغطيه، دينه يستره، فلا يظهر منه إلا كل جميل، ولا يخرج من فيه إلا كل حق.
الثانية: عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله يقول: ((بينا أنا نائم، أتيت بقدح لبن، فشربت، حتى أني لأرى الريّ يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب)). قالوا: فما أوّلته يا رسول الله ؟ قال: ((العلم)) [2].
سبحان الله ! رجل اجتمع له العلم والدين، فأي رجل هو؟
الثالثة: عن أبي هريرة قال: بينا نحن عند رسول الله ، إذ قال: ((بينا أنا نائمٌ، رأيتني في الجنة، فإذا امرأةٌ تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب فذكرت غيرته، فوليت مدبراً)) فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله [3]؟
كيف يغار عمر من النبي وهو تلميذ من تلاميذه، وهو حسنة من حسناته .
قُتل هذا العظيم وهو يصلي في المحراب، والعظماء يقتلون دائماً؛ لتعلم الأمة أنهم عظماء، فتعيش على نهجهم، وتنظم من دمائهم نظماً زكياً تحيا به، وتبني من جماجمهم مكرمات ما كان لها أن تُبنى، وتجعل من أشلائهم تحفاً تتحدى بها التاريخ.
يقول أحد المسلمين من أتباع محمد عليه الصلاة والسلام، من الذين خاضوا المعارك، وتكسّرت سيوفهم على رؤوس المارقين وسالت دماؤهم نصرة لهذا الدين.
وهو ليس من الشباب الذين تكسّرت أيديهم وأرجلهم يوم تزلجوا على الثلج في العطلات الصيفية، أو الذين قتلوا في ساعات السهر الحمراء، أو الذين تدحرجت بهم مسارح الفن فوقعوا على رؤوسهم، لا. إنما هو من شباب الجهاد وطلائع الصحوة.
يقول هذا الشاب:
تأخـرت أستبق الحيـاة فلم أجد لنفسي حياـة مثل أن أتقدّما
وليس على الأعقاب تدمى قلوبنا ولكن على أقدامنا يقطر الدما
هذا جيل محمد عليه الصلاة والسلام، هذه مدرسته التي قدمها للتاريخ، هذا الرعيل الأول الذي ما سمع الناس بمثله.
عاش عمر مع الرسول عليه الصلاة والسلام، يؤازره، ويعينه، أسلم بـ طه . وكان أجمل من الشمس في ضحاها، أوضح من القمر إذا تلاها، تولى الأمة فرعاها، وقاد المسيرة وحباها. فمرحباً بعمر.
أسلم لما سمع: طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلاً ممن خلق الأرض والسموات العلى الرحمن على العرش استوى [طه:1-5].
وهل هناك إنسان يستمع إلى هذا الخطاب ثم لا يسلم؟ هل هناك إنسان يفهم كلام رب البشر، ثم لا يسري هذا الكلام في ذرات دمه؟
فهم عمر هذا الخطاب؛ لأنه العربي القح، فسرى في دمه، وانتشر تيار الإسلام في كل جزئية من كيانه.
أسلم، ووضع يده في يد محمد عليه الصلاة والسلام، وعاهده، على ماذا؟ على الاستيلاء على أموال الناس بالباطل؟ على توسيع القصور والدور؟ على بناء الحدائق الغنّاء والبساتين الفيحاء؟ على استغلال البشر وتسخيرهم؟ لا، إنما بايعه على الحق، والعدل، بايعه على لا إله إلا الله.
فكان عمر في كف الرسول، عليه الصلاة والسلام سيفاً مصلتاً يهزه للحادثات والمعضلات.
يقول العقاد: الفرق بين أبي بكر وعمر؛ أن أبا بكر عرف محمداً النبي، أما عمر فقد عرف النبي محمداً.
أبو بكر عرف الرسول عليه الصلاة والسلام، في جاهلية أبي بكر وبعد إسلامه، لكن عمر لم يعرف الرسول عليه الصلاة والسلام إلا ساعة ميلاده يوم أسلم، فكان كلما رأى حدثاً، كلما رأى زنديقاً، كلما رأى معترضاً على الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، ائذن لي أضرب عنقه، ولو أذن له الرسول عليه الصلاة والسلام لقتل العشرات!! فهو لا يتأخر لحظة واحدة عن أمر رسول الله .
ويموت الرسول عليه الصلاة والسلام، كما يموت البشر، لكن عمر لم يعترف بذلك، فقام رافعاً سيفه يقول: من قال إن محمداً عليه الصلاة والسلام قد مات، ضربت عنقه بهذا السيف!!
ولكن يتأكد الخبر، ويتحقق النبأ، فيطيح عمر على وجهه مغمىً عليه، وكان قوي الجثة، صلب البنيان، متين الهيكل، ولكن أين قوته؟ أين عضلاته؟ أين بنيانه ؟ خار في لحظة واحدة.
قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها
قل للملوك تنحـوا عن مناصبكـم فقد أتـى آخـذ الدنيا ومعطيها
كان عمر بن الخطاب يأخذ الدنيا في يوم، ويسلمها للفقراء في يوم.
تأتيه الموائد من الذهب والفضة على الجمال، وتدخل المدينة، وهو يصلي وفي بردته أربع عشرة رقعة من الفقر والعوز.
هذا الرجل؛ يقضي على إمبراطورية هرقل، ويجعل عاليها سافلها، ولا يجد خبز الشعير ليأكله مع فقراء المسلمين.
يتولى أبو بكر الخلافة بعد الرسول، عليه الصلاة والسلام، فيقف عمر بجانبه كما وقف بجانب رسول الله ويكون مستشاره ووزيره.
ويحين أجل أبي بكر فيكتب ولاية العهد لعمر يقول أبو بكر في كتابه لعمر :
بسم الله الرحمن الرحيم من أبي بكر إلى عمر بن الخطاب، وأنا في أول أيام الآخرة، وآخر أيام الدنيا، فقيراً لما قدمت، غنياً عما تركت.
أما بعد:
فيا عمر بن الخطاب، قد وليتك أمر أمة محمد، علي الصلاة والسلام، فإن أصلحت وعدلت، فهذا ظني فيك. وإن اتبعت هواك، فالله المطلع على السرائر، وما أنا على صحبة الناس بحريص.
يا عمر: اتق الله لا يصرعنّك الله مصرعاً كمصرعي، والسلام.
وتولى عمر خلافة المسلمين، وبحث عن ميراث أبي بكر، فإذا هو ثوبان وبغلة، فبكى وقال: لقد أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر!!.
تولى عمر، وألقى خطبة عظيمة، بين فيها سياسته، وأوضح فيها واجباته تجاه الأمة، وسار في الناس سيرة عمريّة ما سمع الناس بمثلها.
كتب عنه الفضلاء، وتكلّم عنه العلماء، وتدارس سيرته الأذكياء؛ عمر يطوف المدينة، عمر رجل العسّة الأول، ينام الناس في عاصمة الخلافة ولا ينام، يشبع الناس ولا يشبع، يرتاح الناس ولا يرتاح.
كان إذا هدأت العيون، وتلالأت النجوم، يأخذ درّته ويجوب سكك المدينة، علّه يجد ضعيفاً يساعده، أو فقيراً يعطيه، أو مجرماً يؤدّبه.
وبينا هو يمشي في ليلة من الليالي، إذ بامرأة في جوف دار لها، وحولها صبية يبكون، وإذا قدْرٌ على النار قد ملأته ماءً، فدنا عمر من الباب فقال: يا أمة الله، ما بكاء هؤلاء الصبيان؟ قالت: بكاؤهم من الجوع، قال: فما هذا القدر الذي على النار؟ قالت: قد جعلتُ فيه ماءً، هو ذا، أعلّلهم [4] به حتى يناموا، وأوهمهم أن فيه شيئاً.
فبكى عمر، ثم جاء إلى دار الصدقة، وأخذ غرارة، وجعل فيها شيئاً دقيقاً، وشحماً، وسمناً، وتمراً، وثياباً، ودراهم، حتى ملأ الغرارة، ثم قال لمولاه: يا أسلم، احمل علي، قال: يا أمير المؤمنين أنا أحمله عنك، فقال: لا أم لك يا أسلم، أنا أحمله، لأني أنا المسؤول عنهم في الآخرة، فحمله حتى أتى به منزل المرأة، فأخذ القدر، فجعل فيه دقيقاً وشيئاً من شحم وتمر، وجعل يحركه بيده، وينفخ تحت القدر، قال أسلم: فرأيت الدخان يخرج من خلال لحيته، حتى طبخ لهم، ثم جعل يغرف بيده، ويطعمهم حتى شبعوا [5].
كان عمرو بن العاص والياً على مصر في زمن عمر بن الخطاب فجاء رجل من أهل مصر إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم، فقال عمر: عذت معاذاً [6]. قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين!!.
لماذا يضربه؟ أهذا هو نهج الإسلام؟ أهذه هي العدالة المنشودة التي نزلت من فوق سبع سموات؟ أهذا ميثاق إياك نعبد وإياك نستعين ؟
فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم، ويقدم بابنه معه، فقدم، فقال عمر: أين المصري؟
ثم قال: خذ السوط فاضرب، فجعل المصري يضرب ابن عمرو بالسوط، ويقول عمر: اضرب ابن الأكرمين.
قال أنس: فضرب والله، فما أقلع عنه حتى تمنينا أن يرفع عنه. ثم قال عمر لعمرو رضي الله عنهما: منذ كم تعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارً ؟! قال: يا أمير المؤمنين، لم أعلم، ولم يأتني؟
تلك هي عدالة عمر وتلك مقولته الخالدة: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.
متى كانوا عبيداً؟ متى كان هذا الإرهاب والاضطهاد؟
إذا كان هذا هو الميزان فما فائدة الإسلام؟ وماذا نفعل بالكتاب والسنة؟
وتستمر مسيرة عمر ويدخل عام الرمادة، سنة ثمانية عشر للهجرة، فيقضي على الأخضر واليابس، يموت الناس جوعاً، فحلف عمر لا يأكل سميناً حتى يرفع الله الضائقة عن المسلمين، وضرب لنفسه خيمة مع المسلمين حتى يباشر بنفسه توزيع الطعام على الناس، وكان يبكي ويقول: آلله يا عمر، كم قتلت من نفس!!.
وهل قتل عمر أحداً ؟ لا والله ما قتل، وإنما أحيا الله به النفوس.
وقف على المنبر يوم الجمعة ببرده المرقّع، والله لو أراد أن يبني بيته من الذهب الخالص لاستطاع، ولو أراد أن يمشي من بيته إلى المسجد على الحرير والإستبرق لاستطاع، ولو أراد أن يجعل أسوار المدينة من الزبرجد لاستطاع، ولكنه يقف أثناء الخطبة، فيقرقر بطنه، أمعاؤه تلتهب من الجوع، فيقول لبطنه: قرقر، أو لا تقرقر، والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين.
أيها الناس:
هذا تاريخنا، فهل لنا تاريخ غير تاريخ عمر؟ بماذا نتكلم مع الأمم؟ بماذا نفتخر؟ بماذا نتصدى للهجوم البشع على الإسلام؟
يصلي بالناس صلاة الاستسقاء، فلا يدرون ماذا يقول من البكاء، ويسأل الله أن لا يجعل هلاك الأمة في عهده، فينهلّ الغيث كالجبال، وتعود الحياة إلى المدينة.
يأتي الهرمزان مستشار كسرى لابساً تاجاً من ذهب وزبرجد، وعليه الحرير، يدخل المدينة، فيقول: أين قصر الخليفة؟ قالوا: ليس له قصر، قال: أين بيته؟ فذهبوا فأروه بيتاً من طين وقالوا له: هذا بيت الخليفة!! قال: أين حرسه؟ قالوا: ليس له حرس!!
يقول شوقي:
وإذا العنايةُ لاحظتك عيونها نم فالحوادث كلهن أمان
فطرق الهرمزان الباب، فخرج ابنه، فقال له: أين الخليفة؟ فقال: التمسوه في المسجد، أو في ضاحية من ضواحي المدينة، فذهبوا إلى المسجد فما وجدوه فبحثوا عنه، فوجدوه نائما تحت شجرة، وقد وضع درته بجانبه، وعليه ثوبه المرقع، وقد توسّد ذراعه، في أنعم نومة عرفها زعيم.
وكأني بالهرمزان يتساءل في نفسه، أهذا عمر؟ أهذا الذي فتح الدنيا؟ هذا الذي دوّخ الملوك؟ هذا الذي داس جماجم الخونة؟ ينام تحت شجرة؟
فانهدّ الهرمزان من الدهشة وقال: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر.
قال حافظ إبراهيم:
وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عقلاً وهـو راعيها
فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً ببردة كاد طـول العهـد يبليها
فقـال قولـة حق أصـبحت مثـلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها
أمنت لمـا أقمـت العـدل بينهـو فنمت نوم قريـر العيـن هانيها
ولما كان آخر ولايته قدم نفسه للمحاكمة، وجسمه للقصاص، وماله للمصادرة، وأعلن في الناس. إن كان خدع أحداً، أو ظلم أحداً، أو سفك دم أحدٍ، فهذا جسمه، فليقتص كل واحد منه، فلما فعل ذلك ارتج المسجد بالبكاء، وأحس المسلمون أنه يودعهم، ثم نزل من على المنبر، واستودع الله الأمة، وكانت هذه هي آخر جمعة يلتقي فيها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بأمة محمد ، لأن موعده كان مع المجرم أبي لؤلؤة المجوسي لعنه الله، وهذا ما سوف نعرض له في الخطبة الثانية إن شاء الله تعالى.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين،

1] أخرجه البخاري (1/11), وأخرجه مسلم (4/1859) ، رقم (2390) عن أبي سعيد الخدري .
[2] أخرجه البخاري (1/29) ، وأخرجه مسلم (4/1859- 1860) ، رقم (2391).
[3] أخرجه البخاري (4/85- 86) .
[4] أعللهم: أشغلهم وأطمعهم.
[5] قال الكاندهلوي : أخرجه الدينوري ، وابن شاذان ، وابن عساكر ، عن أسلم ، كذا في منتخب الكنز (4/415) ، وهو في البداية (7/136). أخرجه الطبري مع زيادات (5/20) . انظر : حياة الصحابة (2/368).
[6] عُذت معاذاً : أي لجأت إلى ملجأ يحميك.
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها الناس:
يقول نبيكم عليه الصلاة والسلام: ((والذي نفس محمد بيده، لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل)) [1].
هذا كلام القائد فكيف يكون الجنود، هذا الأستاذ، فكيف يكون الطلاب، ينبغي أن يكونوا قمماً من العزّة والتضحية، وقذائف من البذل والعطاء.
وكان عمر دائماً ما يسأل الله الشهادة في سبيل الله تبارك وتعالى-.
حج عمر بالمسلمين آخر حجة له، ووقف يوم عرفة، فخطب الناس خطبة عظيمة، ثم استدعى أمراء الأقاليم وحاسبهم جميعاً أمام الناس، واقتصّ للناس منهم، وبعد أن انتهى ذهب ليرمي الجمرات، فرماه أحد الحجاج بحصاة في رأسه، فسال دمه، فقال عمر: هذا قتلي، يعني أنني سوف أقتل.
نعم سوف يقتل، لا يموت كما يموت الذين أصابتهم التخمة، فكان موتهم بسبب كثرة ما أكلوا وشربوا، ولم يقدّموا شيئاً.
قال سعيد بن المسيب : لما صدر عمر بن الخطاب من منى، أناخ بالأبطح، ثم كوّم كومة بطحاء، ثم طرح عليها رداءه واستلقى، ثم مدّ يديه إلى السماء فقال: اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيّع ولا مفرّط، ثم قدم المدينة فخطب الناس، فقال: أيها الناس، قد سُنّت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتُركتم على الواضحة، إلا أن تضلّوا بالناس يميناً أو شمالاً، وضرب بإحدى يديه على الأخرى!! [2].
قال سعيد بن المسيب: فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل عمر .
علوّ في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزات
ومالك تربة فأقـول تسقـي لأنك مثل هطـل الهاطلات
ولما ضاق بطن الأرض عن أن يواروا فيـه تلك المركمات
أساروا الجوّ حولك واستعاضوا عليك اليوم صوت النائحات
رجع إلى المدينة، وهو يتمنى الشهادة، قالت له حفصة ابنته: يا أبتاه: موت في سبيل الله، وقتل في مدينة رسول الله، !! إن من أراد أن يقتل، فليذهب إلى الثغور، فيجيب عمر: سألت ربي، وأرجو أن يلبي لي ربي ما سألت.
أكفانهم بدمـاء البـذل قـد صُبغت الله أكبـر من سلسالهـا رشـفوا
في كفّك الشهم من حبل الهدى طرفٌ على الصراط وفي أرواحنا طرف
وصل عمر إلى المدينة، ورأى في المنام؛ أن ديكاً ينقره نقرتين أو ثلاث، فعبروا له الرؤيا، فقالوا: يقتلك رجل من العجم، فقام وخطب الناس، وأبخرهم أنه سوف يغادر هذه الدنيا، وأن أجله قد اقترب.
تأخرت عن وعد الهوى يا حبيبنا وما كنت عن وعد الهوى تتأخر
سهرنا وفكّرنا وشـابت دموعنـا وشابت ليالينا ومـا كنت تحضر
أيا عمر الفاروق هـل لك عـودة فإن جيوش الـروم تنهى وتأمر
رفاقك في الأغوار شدّوا سروجهم وجيشك في حطين صلّوا فكبروا
نسـاءُ فلسـطين تكحّلن بالأسـى وفي بيت لحم قاصرات وقُصّر
وليمون يافا يابسٌ فـي حقولـه وهل شجرٌ في قبضة الظلم يثمـر
ودّع عمر الدنيا، ليس عنده شيء يورثه، عنده بيت من طين، وبغلته، وثوبه المرقع، ودرته، هذه دنيا عمر.
فأين الأموال؟ وأين القصور؟ وأين الصولة والصولجان؟ ولكن هناك عقيدة خالدة، ومبادئ رشيدة، تتعدى حدود الزمان والمكان، لأنها تنزيلٌ من الحكيم الحميد.
صلى عمر الفجر، وفي أثناء الصلاة، أتاه الفاجر أبو لؤلؤة المجوسي الذي ما سجد لله سجدة، فكانت نهاية هذا الطود الشامخ على يديه.
مولى المغيرة لا جادتك غادية من رحمة الله ما جادت غواديها
مزّقت خير أديم حشـوه هممٌ في ذمةِ الله عـاليهـا ودانيهـا
انتهى عمر من قراءة الفاتحة، وبدأ يقرأ في سورة يوسف، وكان يحب أن يقرأ بها، فلما وصل إلى قوله تعالى: وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم [يوسف: 84]. بكى، بكى، وبكى الناس جميعاً، حتى سمع النشيج من آخر الصفوف، ثم كبّر راكعاً، فتقدم الشقي إليه بخنجر مسموم، فطعنه بست طعنات، فوقع وهو يقول: حسبي الله لا إلا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم.
والغريب أن أكثر الناس ما شعروا، إلا بعد أن تقدم عبد الرحمن بن عوف، فأكمل بهم الصلاة، لأن هذه الأمة كانت تصلي والسيوف على رؤوسها في المعركة، كانت تصلي والجيوش ملتحمة في ساحة القتال.
نحن الذين إذا دُعـوا لصـلاتهم والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا
جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبّروا في مسمع الـروح الأميـن فكبـرا
تقدم ابن عوف فأكمل الصلاة بالمسلمين، وفزع الناس إلى عمر، أين صوت عمر؟ أين صوت الخليفة؟ أين الحبيب؟ أين العادل؟ أصبح في سكرات الموت، يسأل وهو في سكرات الموت: من قتلني؟ قالوا: قتلك أبو لؤلؤة المجوسي، قال: الحمد لله الذي جعل قتلي على يد رجل ما سجد لله سجدة.
كان يسأل وهو في سكرات الموت: هل صليت؟ هل أكملت الصلاة؟ قال: لا، قال: الله المستعان.
كل أمنياته أن يكمل الصلاة؛ ليلقى الله تعالى وقد صلى صلاة الفجر، لم يسأل عن ولاية ولا عن ولد، ولا عن بلد، ولا عن زوجة، ولا عن ميراث، وإنما سأل عن الصلاة، ولم يهدأ له بال حتى أتمّها.
قال أحد الصحابة: ظننا أن القيامة قد قامت يوم قتل عمر.
من لجسم شفّه طول النوى ولعين شـفّها طول السهر
جسـدٌ لفف فـي أكفافـه رحمة الله على ذاك الجسد
وضعوه في البيت، وأحضروا له وسادة، فنزعها وقال: ضعوا رأسي على التراب لعل الله أن يرحمني، وأخذ يبكي ويقول:
يا من لا يزول ملكه، ارحم من زال ملكه.
وسلاطينهم سلوا الطين عنهم والرؤوس العظام صارت عظاما
ودعا عمر أطفال المسلمين، فدخلوا يبكون، فقبّلهم واحداً واحداً، ومسح على رؤوسهم.
قدموا له لبناً، فلما شربه، خرج من كبده، فقال: الله المستعان.
ثم دخل الشباب، فحياهم، ورأى شاباً في ثوبه طول، فقال له: يا ابن أخي تعالى، فدنا منه الشاب، فقال له عمر: ارفع إزارك!!.
يقول أحد الفضلاء: أمير المؤمنين يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وهو في سكرات الموت، دمه يخرج من فمه ومن بين أضلاعه، ويقول لهذا الشاب قصّر ثوبك!!.
فديننا كله لباب، ليس فيه قشور، قال: ارفع إزارك فإنه أتقى لربك، وأنقى لثوبك، فذهب الشاب وهو يبكي لموت عمر .
دخل عليه علي بن أبي طالب ليلقي كلمات الوداع، التي ما رأيت أصدق منها، إذا ودع الحبيب حبيبه.
اتكأ علي ابن عباس رضي الله عنهما والدموع تفيض من عينيه، وأخذ يقول لعمر: يا أبا حفص، والله لطالما سمعت رسول الله يقول: ((جئت أنا وأبو بكر وعمر، وذهب أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فأسأل الله أن يحشرك مع صاحبيك)).
قال عمر: يا ليتني أنجو كفافاً، لا لي، ولا علي، ثم أخذ يقول: الله الله في الصلاة، وسألهم وهو في الموت أيضاً: أين أدفن؟ قالوا: ندفنك مع رسول الله ، قال: لا أزكي نفسي، فما أنا إلا رجل من المسلمين استأذنوا عائشة في ذلك. فلما مات ذهبوا إلى عائشة رضي الله عنها واستأذنوها في أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: لقد هيأت هذا المكان لنفسي، لكن والله لأوثرنّ عمر به، ادفنوه مع صاحبيه.
فجزى الله عمر عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، إنا لله وإنا إليه راجعون.
أيها المسلمون:
هذه شخصية من شخصيات العالم الإسلامي، التي قدمها محمد عليه الصلاة والسلام، إلى البشرية.
هذا خليفة راشد، هذا إمام عادل.
يقول علي، وعمر يكفّن، قبل أن يصلّي عليه: والله ما أريد أن ألقى الله بعمل رجلٍ إلا بعمل رجلٍ مثلك.
فاللهم أرنا وجه عمر في الجنة، واحشرنا مع نبينا محمد في مقعد صدق عند مليك مقتدر، واجمع بيننا وبينه كما آمنا به ولم نره، ولا تفرّق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله.
أيها الناس:
وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً [الأحزاب
___________________________________________________________________-
أما بعد:
كان حديثي معكم في الجمعة الماضية، هو مواقف مختارة من حياة صديق هذه الأمة، أبو بكر رضي الله عنه، ومحاولة الاستفادة والاتعاظ وأخذ الدروس والعبر من حياته رضي الله تعالى عنه. وسوف نقف في هذه الجمعة، بعد توفيق الله عز وجل، مع فاروق هذه الأمة، عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، نتلمس بعض الفوائد من بعض المواقف من حياته.
عباد الله:
اعلموا رحمكم الله، أن الله عز وجل، اختار نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم للرسالة إلى الخلق بهذا الدين الكامل، لينشره بين العالمين، واختار له من الأصحاب أفضل الناس بعد النبيين، أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقومها عملا، وأقلها تكلفا، جاهدوا في الله حق جهاده في حياة نبيهم، وبعد وفاته، فنصر الله بهم هذ الدين، ونصرهم به وأظهرهم على الدين كله ولو كره المشركون.
وكان منهم الخلفاء الراشدون، الأئمة المهديون الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، فكانت خلافتهم أفضل خلافة، وحكمهم أحسن حكم، ولن يظهر حكم على وجه الأرض، كحكمهم، تشهد بذلك أفعالهم، وتنطق به آثارهم، أبو بكر الصديق، عبد الله بن عثمان، وأبو حفص الفاروق، عمر بن الخطاب، وأبو عبد الله ذو النورين عثمان بن عفان، وأبو الحسن ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين.
وكان أفضلهم خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفيقه في الغار، الذي نطق بما نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم، عام الحديبية، حين اشتد الأمر على كثير من المهاجرين والأنصار، وثبت الله به المسلمين يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ونصر الله به الإسلام حين ارتد من ارتد من العرب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من بركته على هذه الأمة، ونصحه لها، ووفور عقله وصدق فراسته أن استخلف على الأمة بعده وزيره وقرينه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ((لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون، يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر)) وقال صلى الله عليه وسلم يخاطب عمر: ((والذي نفسي بيده مالقيك الشيطان سالكاً فجاً قط، إلا سلك فجاً غير فجك)) وسأل عمرو بن العاص رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحب الرجال إليه فقال: ((أبو بكر، قال: ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب)) وعد رجالاً. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان ينـزع من بئر، فجاء أبو بكر فنزع ذنوباً أو ذنوبين. قال ثم أخذها ابن الخطاب من يد أبي بكر، فاستحالت في يده غرباً، فلم أر عبقرياً من الناس يفري فريه، حتى ضرب الناس بعطن، ولقد صدق الله رسوله الرؤيا، فتولى الخلافة عمر بن الخطاب بعد أبي بكر رضي الله عنهما، وقوى سلطان الإسلام، وانتشر في مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد الشام والعراق ومصر، وأرمينية، وفارس، حتى قيل إن الفتوحات في عهده بلغت ألفاً وستاً وثلاثين مدينة مع سوادها، بنى فيها أربعة آلاف مسجد، وكان رضي الله عنه مع سعة خلافته مهتماً برعيته، قائماً فيهم خير قيام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"إن الله أعز به الإسلام، وأذل به الشرك وأهله، وأقام شعائر الدين الحنيف، ومنع من كل أمر فيه نزوع إلى نقض عرى الإسلام، مطيعاً في ذلك الله ورسوله، وقّافاً عند كتاب الله، ممتثلاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، محتذياً حذو صاحبيه، مشاوراً في أموره السابقين الأولين، مثل عثمان وعلي وطلحة والزبير وغيرهم ممن له علم ورأي، أو نصيحة للإسلام وأهله، حتى إن العمدة في الشروط على أهل الذمة على شروطه، فقد شرط رضي الله عنه على أهل الذمة من النصارى وغيرهم، ما ألزموا به أنفسهم من إكرام المسلمين، والتميز عنهم في اللباس والأسامي وغيرها، وأن لا يُظهروا الصليب في كنائسهم، ولا في شيء من طرق المسلمين، وأن لا ينشروا كتبهم أو يظهروها في أسواق المسلمين\". انتهى.
فتأملوا رحمكم الله، كيف وصل الحال الآن بمجتمعات المسلمين. فأقول رحم الله عمر بن الخطاب، وجزى الله الإسلام والمسلمين عنه خير الجزاء، كيف بالتميز بين المسلمين وغيرهم من ملل الشرك والكفر حتى في اللباس والأسماء، لكي يتميز المسلم عن غيره، فوصل الحال ببعض المسلمين، أن يسموا أولادهم بأسماء الكفار.
أما اللباس، فحدث ولا حرج، بل صار التحلي بلباس الكفار موضع افتخار واعتزاز من بعض المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، إنك تجد أن كل من أراد السفر إلى بلاد الكفار، أول ما يبدأ به، هو خلع ملابسه الإسلامية، ويلبس ملابسهم، هذا إن كنا نقبله من بعض جهلة وعوام المسلمين بعض الشيء. لكن أن يكون هذا العمل، حتى ممن يذهبون إلى بلاد الكفار بصفات رسمية فهذا الذي لا يليق، وليس له مبرر إلا التقليد الأعمى والتأثر بهم، فإن كان هذا تحول الظاهر، فما بالكم بتحول الباطن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فأقول رحم الله عمر، لقد نهى رضي الله عنه أن يرفع الصليب على كنائسهم وفي طرقات المسلمين، لقد رفعت، بل ونصبت الصلبان في ديار المسلمين، وفي طرقاتهم علناً، بل ويأخذون الموافقة عليها، ولقد نهى رضي الله عنه عن نشر كتبهم أو ظهورها في أسواق المسلمين، فكيف لو رأى أن الكتب المنحرفة والمجلات الخليعة التي تدعوا إلى الفاحشة والشر والفساد علانية هي التي طغت أسواق المسلمين، وهي التي يسهل أمر طبعها ونشرها وبيعها، وغيرها يضيق عليها.
ويقول شيخ الإسلام، ابن تيمية رحمه الله تعالى، أيضاً، يذكر جوانب ومآثر أخرى من حياة هذا الرجل العظيم، فيقول رحمه الله تعالى: \"ولقد كان رضي الله عنه، يمنع من استعمال الكفار في أمور الأمة، أو إعزازهم بعد أن أذلهم الله، قال أبو موسى الأشعري، قلت لعمر رضي الله عنه، إن لي كاتباً نصرانياً، فقال: مالك قاتلك الله، أما سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ألا اتخذت حنيفاً - يعني مسلما - قال قلت: يا أمير المؤمنين، لي كتابته وله دينه، قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أُدنيهم إذ أقصاهم الله.
وكتب إليه خالد بن الوليد يقول: إن بالشام كاتباً نصرانياً لا يقوم خراج الشام إلا به، فكتب إليه عمر: لا تستعمله، فكتب خالد إلى عمر: إنه لا غنى بنا عنه، فرد عليه عمر: لا تستعمله، فكتب إليه خالد: إذ لم نستعمله ضاع المال، فكتب إليه عمر مات النصراني والسلام.
فأقول أيها الأخوة، ماذا يقول عمر لو نظر إلى أحوال بلاد المسلمين، وتسلط الكفرة عليها، بل وتمكين المسلمين لهم، بالتدخل في جميع شئونهم، كان عمر رضي الله عنه، ينهى حتى عن الكاتب، فما بالكم بالمستشارين لو كانوا من اليهود والنصارى، وماذا نتوقع أن تكون مشورتهم، والله عز وجل يقول في كتابه: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم وقال سبحانه: ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا وقال عز وجل: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار .
لقد وصل الحال ببعض الدول الإسلامية إنك تجد حتى في النواحي العسكرية التي يقوم عليها أمن البلد، يولي وينصب من غير المسلمين، فماذا نرجو بعد هذا يا عباد الله.
ولقد كانت هذه السياسة الحكيمة لعمر من منع تولي غير المسلمين لأمور المسلمين، وإن كانت شيئاً بسيطاً، كانت هذه السياسة، مستوحاة من سياسة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث لحقه مشرك ليقاتل معه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني لا أستعين بمشرك)). هذا أيها الأخوة على المستوى العام.
أما على مستوى الأفراد، وثقة المسلمين بالكفار فإنها مصيبة وبلية نزلت بالمسلمين، فإننا نجد ارتياح الناس وثقتهم بالسائقين والخدم من غير المسلمين أكثر، وأصحاب المحلات التجارية، يولون أمورهم وأموالهم لغير المسلمين، ويثقون فيهم أكثر
أما بعد:
لقد ضرب الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أروع الأمثلة، وقدم أحسن النماذج، التي يمكن أن يتمثل بها كل حاكم، وكل والٍ إلى قيام الساعة. فمن ذلك أنه كان رضي الله عنه مع هذا الحزم والحيطة والغلظة عليهم، كان يكتب إلى عماله، يحذرهم من الترفع والإسراف، وهذا الذي يجب على كل من تولى أي أمر من أمور المسلمين، أن يتابع عماله ووزرائه ومعاونيه، كتب مرة إلى عتبة بن فرقد، وكان قد ولاه على أذربيجان فقال له يا عتبة: إنه ليس من كد أبيك ولا من كد أمك. أي أن هذا الذي تأخذه من بيت مال المسلمين ليس من كد أبيك ولا من كد أمك، ثم قال له: فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياك والتنعم وزي أهل الشرك، ولباس الحرير.
وكان رضي الله عنه، عندما يوجه عماله ووزرائه بهذا كان هو التطبيق العملي لكلامه، فيطبق على نفسه قبل أن يطبق على غيره.يروى عنه أنه كان إذا نهى عن شيء، جمع أهله فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإنهم لينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، والله لا أجد أحداً منكم فعل ما نهيت عنه، إلا أضعفت عليه العقوبة. وكان رضي الله عنه يقوم في الناس في مواسم الحج فيقول: إني لا أبعث عليكم عمالي ليضربوا جلودكم ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أبعثهم إليكم ليعلموكم دينكم، ويحكموا فيكم بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، فمن فُعل به سوى ذلك، فليرفعه إليّ.
وأخرج ابن سعد عن البراء بن معرور، أن عمر خرج يوماً حتى أتى المنبر، وكان قد اشتكى شكوى، فنعت له العسل، وفي بيت المال عُكة، فقال إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلا فهي عليّ حرام، فأذنوا له.
وكان رضي الله عنه يخاف من الله عز وجل أن يسأله حتى عن البهائم التي في حدود ولايته، فقد أخرج ابن سعد أيضاً عن سالم بن عبد الله، أن عمر كان يُدخل يده في دبر البعير، وذلك أن البعير يصاب بنوع من المرض، يحتاج إلى إخراج ما في دبره، وكان يقول: إني لخائف أن أُسأل عما بك.
وخرج ذات ليلة إلى الحرة، ومعه مولاه أسلم، فإذا نار، فقال يا أسلم: ما أظن هؤلاء إلا ركباً قصر بهم الليل والبرد، فلما وصل مكانها إذا هي امرأة معها صبيان، يتضاغون من الجوع، قد نصبت لهم قدر ماء على النار، تسكتهم به ليناموا، فقال عمر: السلام عليكم يا أهل الضوء - وكره أن يقول: يا أهل النار - ما بالكم وما بال هؤلاء الصبية؟ قالت المرأة: يتضاغون من الجوع، قال فأي شيء في هذا القدر؟ قالت: ماء أسكتهم به، أوهمهم أني أصنع طعاماً حتى يناموا ، والله بيننا وبين عمر، فقال: يرحمك الله وما يُدري عمر بكم، قالت: أيتولى أمرنا ويغفل عنا، فبكى عمر رضي الله عنه، ورجع مهرولاً، فأتى بعدل من دقيق وجراب من شحم، وقال لأسلم: احمله على ظهري، قال: أنا أحمله عنك يا أمير المؤمنين، فقال: أنت تحمل وزري يوم القيامة فحمله حتى أتى المرأة، فجعل يُصلح الطعام لها، وجعل ينفخ تحت القدر والدخان يتخلل من لحيته، حتى نضج الطعام، فأنزل القدر وأفرغ منه في صحفة لها، فأكل الصبية حتى شبعوا، وجعلوا يضحكون ويتصارعون، فقالت المرأة: جزاك الله خيراً أنت أولى بهذا الأمر من عمر، فقال لها عمر قولي خيرا.
أيها المسلمون: هكذا كانت ولاية عمر رضي الله عنه لرعيته بهذه العدالة، وبهذا الورع ومع هذا فقد أخرج ابن عساكر عن ابن عباس، أن العباس قال: سألت الله حولاً بعدما مات عمر أن يرينيه في المنام، فرأيته بعد حول وهو يسلت العرق عن جبينه، فقلت: بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين، ما شأنك؟ فقال: هذا أوان فُرغت - أي الآن قد انتهيت من الحساب.
وأخرج نحوه ابن سعد، عن سالم بن عبد الله بن

بواسطة : admin
 0  0  1524
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش. الوقت الآن هو 11:03 صباحًا الأربعاء 20 فبراير 2019.